الإرهاب في المسرح العربي

الأحد 2014/10/26

كانت مسرحية “الجنزير”، للكاتب المصري محمد سلماوي، وإخراج جلال الشرقاوي (1996) من أبكر المسرحيات العربية التي تناولت ظاهرة الإرهاب، عبر حادثة احتيال إرهابي، يحمل فهماً مشوَّهاً للدين، على أرملة (زوجة شهيد)، بهدف الدخول إلى منزلها واحتجازها وأفراد أسرتها رهائن، وتهديدهم بالقتل إذا لم تفرج السلطة عن سجناء من رفاقه.

مع استفحال هذه الظاهرة في الألفية الثانية أقبل العديد من المسرحيين العرب على تناولها، وكانت أبرز تجربة في هذا السياق تجربة المخرج الكويتي سليمان البسام في عرضه “مؤتمر هاملت” (2002)، الذي حول فيه هاملت تدريجياً من شخصيته الشكسبيرية المعروفة إلى شخصية “الإرهابي” الإسلامي المتطرف لمواجهة الاستبداد والظلم الذي وقع عليه من عمه قاتل أبيه، وأمه التي تزوجت من قاتل زوجها.

وفي العام 2006 بدأ المخرج التونسي الفاضل الجعايبي عرضه الجريء “خمسون” بحادثة مفجعة: أستاذة فيزياء محجّبة في مدرسة ثانوية تفجّر نفسها أمام زملائها وزميلاتها يوم الاحتفال بالعيد الخمسين لاستقلال تونس، يتلوها الظهور الصاخب لجهاز الأمن السياسي بأساليبه المعتادة المتكرّرة، ومحاولة عناصره الوصول إلى الحقيقة من خلال الاستجواب المباشر لكلّ معارف المدرّسة الانتحارية، معتمدين القليل من الترغيب والكثير من الترهيب والتعذيب.

المخرج العراقي مهند هادي قدم في عرضه “قلب الحدث” (2009)، ثلاث شخصيات في بغداد تحت وطأة الإرهاب والاحتلال، تبحث عن الخلاص من معاناتها، لكن رحلة البحث توصلها إلى المجهول: المدمن الذي خرج ولم يعد كان قد قرر أن يوقف ذلك الظلام الذي يلفّ بصره وبصيرته. المرأة قررت مغادرة بيتها وترك زوجها السكير والحياة الخانقة التي تعيشها، وبائع الجرائد قرر أن يكون ذلك اليوم يومه الأخير في بيع الجرائد، لكن الإرهاب كان أسبق إليهم من التغيير، فتلقفهم تفجير انتحاري.

وفي عرض ثانٍ لهادي بعنوان “مخيم” (2010) تتأهب الشخصيات للرحيل دائماً في لوحات متناثرة، بحثاً عن وطن بديل عن وطنها المستباح من المحتلين والإرهابيين والميليشيات ولصوص السلطة، لكنها تجد نفسها في متاهات أخرى أشد وطأةً.. تطرق أبواباً لا تفضي إلاً إلى أبواب… وتتحدث عن الفوضى التي عمّت البلد، وتعبها من سماع دوي انفجارات السيارات المفخخة.

وكان من الطبيعي ألاّ تغيب مقاربة الإرهاب عن المسرح في الجزائر، فهو البلد العربي الأكثر تضرراً من الإرهاب الأعمى خلال “العشرية السوداء”. ومن بين العروض الأخيرة التي سلطت الضوء على هذه “العشرية” عرض “حب في زمن الطاعون” (2013) للمخرج نسيم أرزي، الذي يحكي قصة زوجين حديثي العهد بالزواج يعانيان من مأساة ما خلفه الإرهاب من همجية ودمار، وعرض “منفى الحرب” (2014) لبشير بوجمعة مخرجاً، ومحمد شرقي مؤلفاً (كتبه عام 1992)، الذي يعود، من خلال الإيحاءات والإيماءات، إلى سنوات الدم، ومعاناة شريحة اجتماعية كبيرة من الظلم والقهر، تعيش حياةً أشبه بحياة الكهوف.

أخيراً، نشير إلى عرض المخرج الفلسطيني زيناتي قدسية “إكليل الدم” (2014)، الذي يتناول كارثة جزّ الرؤوس التي يمارسها الإرهابيون في العالم العربي؛ تاركاً مساحة الخشبة لثمانية ممثلين وراقصين شاركهم زيناتي بها عبر شخصية أقرب إلى بطل مونودراما شعرية تمر على المسرح، كنقيض للفوضى والخوف والرهبة التي تعيشها شخصياته؛ ليأتلف مشهد الذبح مع موسيقا “الراب” و”الهارد ميتاليكا” جنباً إلى جنب، متكئاً على أرشيف من ردود الفعل التي جعلت الخوف من الآخر وتخوينه أو تكفيره وجهاً آخر للتطرف والتعصب الأعمى.


كاتب من العراق

11