الإرهاب في مصر.. داعش يتطلع إلى ما وراء سيناء

ما انفك تنظيم داعش، منذ أحداث ما يسمّى بـ”الربيع العربي”، يتمدد داخل الدول العربية ليستهدف أمنها ويقوض الديمقراطيات الناشئة فيها، وذلك تزامنا مع توسع في المساحات التي يسيطر عليها، حيث شن التنظيم العديد من الهجمات الإرهابية طالت دول الربيع العربي على غرار تونس ومصر. ووفق خبراء فإن التنظيم يسعى للتمدد خارج سيناء المصرية كمحاولات انتقامية بعد خساراته الميدانية المتتالية في كل من سوريا والعراق، أين حوّل داعش اهتمامه أكثر نحو أكبر دولة عربية سكانا وهي مصر، باعتبارها تمثل حصنا ضد التشدد الإسلامي في المنطقة.
الجمعة 2017/01/27
حضور وجاهزية تامة

القاهرة - يعمل تنظيم داعش على استثمار الفوضى والاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية عقب ثورات ما يسمّى بالربيع العربي، ليسيطر على مساحات من الأراضي في سوريا والعراق، ويشن هجمات إرهابية تستهدف الأمن القومي العربي في العديد من الدول التي شهدت تململا وعرفت تحولات كبيرة مثل تونس ومصر.

وبخصوص الشأن المصري، فقد شهدت مصر خلال السنوات الست الماضية تناميا في عدد العمليات الإرهابية والتي أخذت مسارات وأشكالا مختلفة عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير.

وتركزت استراتيجية الجماعات الإرهابية في مصر على استهداف قوات الجيش والشرطة بشكل أساسي، وفي هذا الإطار يحذر الخبراء من تنامي استهداف داعش للقوات الأمنية المصرية وملاحقته لهم خارج سيناء في محاولة من التنظيم للتمدد داخل الأراضي المصرية.

ووضع التنظيم المتشدد على صور نشرها على الإنترنت عبارة “مطلوب للدولة الإسلامية” لضباط في الجيش والشرطة بمصر ونشر بجانبها شعاره والرتب والعناوين الخاصة بأصحابها، داعيا أتباعه إلى ملاحقتهم وقتلهم.

ولا يتواجد هؤلاء الضباط في محافظة شمال سيناء التي ينشط فيها التنظيم والتي تتاخم إسرائيل وغزة وإنما في أنحاء أخرى من البلاد. ويعمل التنظيم على نشر هذه الصور عبر تلغرام، وهو نظام للرسائل الفورية المشفرة يستخدمه في الاتصال بأتباعه.

وتزامنت حملة نشر تلك الصور مع شن التنظيم لأكبر هجوم خارج شمال سيناء استهدف الكنيسة البطرسية الملحقة بكاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة في ديسمبر الماضي، والذي أوقع قرابة 28 قتيلا.

وتوضح الحملة أن داعش يحاول أن يتمدد في عملياته إلى أنحاء أخرى من البلاد وسط إصرار التنظيم على استهداف الأمن المصري، نظرا لما تمثله مصر من حصن ضد التشدد الإسلامي في المنطقة.

وعندما يمد التنظيم بصره إلى أنحاء أخرى من مصر، فإنه يزيد بذلك الضغط على حكومة الرئيس عبدالفتاح السيسي ويفرض تحديات إضافية على الأجهزة الأمنية، ويهدد بضربة أخرى قطاع السياحة الذي يمثل حجر الزاوية لاقتصاد المصري، الذي يعاني بدوره من صعوبات شديدة.

وكان تنظيم الدولة الإسلامية قد أعلن مسؤوليته عن سبعة هجومات على مؤتمر الاتحاد، إبان الأجواء الاحتفالية التي رافقت المؤتمر احتفالا بفوز مكتسح لقائمة الطبوبيت في القاهرة العام الماضي، بعد أن شن سابقا قرابة 4 هجمات في العام 2015.

ويقول ها هيليار، كبير الباحثين في المجلس الأطلسي بواشنطن، “تنظيم الدولة الإسلامية جعل من مصر- وليس سيناء فقط- هدفا له وذلك في إطار خطابه منذ فترة طويلة.. ويبين محللون أمنيون مستقلون وكذلك بيانات رسمية صادرة عن الدولة المصرية، أن الهجمات خارج سيناء زادت خلال العامين الماضيين”.

بفقدان تنظيم الدولة الإسلامية لأراض في سوريا والعراق وليبيا، يحول اهتمامه صوب مصر أكبر الدول العربية سكانا

توسيع الهجمات

شهدت المرحلة الانتقالية الثانية في أعقاب ثورة 30 يونيو تناميا في معدلات العمليات الإرهابية، والتي أخذت مستويات وأنماطا مختلفة عما كان يحدث خلال عامي 2011 و2016 إلى جانب اتساع رقعة العمليات الإرهابية لتخرج من حيز سيناء وتنتقل إلى العمق المصري في الوادي والدلتا، مع تزايد في معدلات العنف تجاه الكنائس المصرية، وفق مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.

وكانت جماعة “أنصار بيت المقدس” المتشددة، التي تعززت بانضمام مجندين إلى صفوفها من القبائل البدوية، تقاتل السلطات قبل عزل مرسي غير أن الجماعة كثفت من هجماتها بعد عزلها وأعلنت في 2014 البيعة للدولة الإسلامية وغيرت اسمها إلى ولاية سيناء وتوعدت الجيش بالمزيد من الهجمات.

ولفت هيليار إلى أنه “عندما يصدر إعلان المسؤولية باسم الدولة الإسلامية في مصر وليس ولاية سيناء، فإن هذا تعبير واضح من التنظيم على أنه ببساطة يعتزم استهداف مصر وليس سيناء”.

ويقول محللون إن استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء تعكس تكتيكاته في سوريا والعراق. فالتنظيم يقاتل تحت هيكل قيادة واضح ويستخدم العبوات الناسفة التي تزرع على الطرق والمفجرين الانتحاريين والقناصة.

وتشبه عمليات داعش في مصر خارج سيناء بدرجة أكبر العمليات التي تنفذها خلاياه المنتشرة في تونس أو في العديد من الدول الأوروبية. حيث تعتمد هذه الخلايا في هجماتها على مجموعات صغيرة تنشط في سرية ولا تتصل ببعضها البعض. وتستخدم في تنفيذ تلك الهجمات وسائل فنية تنشرها على الإنترنت مثل كيفية صناعة القنابل المحلية وتتخذ أيضا شكل الذئاب المنفردة أي الهجمات الإرهابية المنفردة.

واعتبر خالد عكاشة، الخبير الأمني والعقيد المتقاعد في الشرطة في تصريحات صحافية، أن “هذا النمط المتكرر للهجمات التي لحقت تونس وأوروبا، ومسألة زرع الخلايا الصغيرة قد يستمر داعش في اعتمادها داخل القاهرة. أين يترصد الأمن المصري التنظيم ويدرك أنه لن يكتفي بسيناء”. ولفت بعض المحللين الأمنيين إلى أنه مع فقدان تنظيم الدولة الإسلامية لأراض في سوريا والعراق وليبيا، يحاول داعش في ردة فعل انتقامية تدارك خسارته، لذلك تحول اهتمامه صوب مصر أكبر الدول العربية سكانا.

عرفت مدينة القاهرة العديد من الهجمات خلال العامين الماضيين، شملت بالأساس حافلة سياحية وسيارة شرطة ونقطة تفتيش أمنية والقنصلية الإيطالية ومبنى يتبع جهاز الأمن الوطني، إضافة إلى اغتيال ضابط كبير في الشرطة.

وتشير بيانات للجيش المصري إلى أن قواته قتلت ما لا يقل عن ألفي عضو في جماعة ولاية سيناء منذ أن بايعت الجماعة تنظيم الدولة الإسلامية في نوفمبر من العام 2014.

مركز الأهرام يرى أن هناك أزمة متعددة الأبعاد في منطقة شمال سيناء تتداخل فيها عناصر مختلفة من فقر وبطالة، وهو ما يحتاج إلى استراتيجية وتكتيك

ويرجع مركز الأهرام للبحوث والدراسات أسباب تنامي الإرهاب في مصر إلى عدم وجود استراتيجية واضحة لمحاربة الإرهاب، فبالرغم من بعض النجاحات التي حققتها الأجهزة الأمنية في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية، إلا أنها لا تزال محدودة.

وما تجدر ملاحظته أن الأعمال الإرهابية المنفذة مرتفعة مقارنة بالعمليات الاستباقية التي تقوم بها قوات الأمن المصري. وفي هذا السياق يلفت مركز الأهرام في دراسة بعنوان العمليـات الإرهابية: المسارات والخصائص منذ يناير 2011 إلى توفر بيئة حاضنة للإرهاب في مصر، حيث تتواجد الجماعات الإرهابية في المحيط الإقليمي للبلاد بشكل كبير، ويسيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، فضلا عن وجوده قرب ليبيا المتاخمة للحدود المصرية، مما يعني بكل تأكيد دخول بعض العناصر الإرهابية إلى البلاد وقيامها بتنفيذ عمليات إرهابية وتجنيد شباب مصريين للانضمام إلى صفوفها.

ضغوط على السيسي

يرى مركز الأهرام أن هناك أزمة متعددة الأبعاد في منطقة شمال سيناء تتداخل فيها عناصر مختلفة من فقر وبطالة بين أبناء سيناء، وهو ما يحتاج إلى استراتيجية وتكتيك يساعدان في حل تلك الأزمات وغيرها.

وأوضحت ستيفاني كارا، محللة شؤون الشرق الأوسط لدى “ريسك أدفايزوري” في لندن، أن الاحتفاظ بوجود قوي في سيناء هو أولوية لتنظيم الدولة الإسلامية على ما يبدو. وقالت “قدرات خلايا تنظيم الدولة الإسلامية داخل القاهرة وحولها لا تقارن على الإطلاق بقدرات خلاياه في سيناء”.

وأشارت إلى “ضرورة الوضع في الاعتبار بأن تنظيم الدولة الإسلامية استخدم استراتيجية في بلدان أخرى تقوم على شن هجمات خارج مناطق سيطرته لتخفيف الضغط العسكري عليه”.

اعتبر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ توليه للرئاسة، أن المتشددين الإسلاميين يشكلون تهديدا وجوديا، لذلك جعل من فرض الأمن أولوية للدولة التي يقطنها أكثر من 90 مليون نسمة والتي ترتبط بمعاهدة سلام مع إسرائيل وتتلقى مساعدات عسكرية كبيرة من واشنطن.

ومن شأن وقوع المزيد من الهجمات أن يؤدي إلى تفاقم معاناة قطاع السياحة المتداعي وهو أحد أكبر مصادر العملة الصعبة للبلد الذي يعتمد على الواردات ويعاني شحا في الدولار وبالتالي المزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على حكومة السيسي.

ويذكر أن منتجعات مصر السياحية وكنوزها الثقافية الأخرى بما فيها الأهرامات، كانت قد تقلت هي الأخرى ضربة قوية بسبب الاضطراب السياسي الناجم عن انتفاضة 2011 التي أنهت حكم حسني مبارك الذي دام 30 عاما.

ومني القطاع بانتكاسة أخرى في أكتوبر 2015 بعد تفجير طائرة ركاب روسية فوق سيناء، مما أودى بحياة 224 شخصا كانوا على متنها، وأعلن حينها تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الواقعة.

وجرى تعليق الرحلات الجوية البريطانية إلى منتجع شرم الشيخ على البحر الأحمر والذي أقلعت منه الطائرة كما علقت الرحلات المباشرة من روسيا إلى جميع أنحاء مصر.

ويقول مسؤولون إنهم يقتربون من استئناف الرحلات الجوية، لكن تصعيد حملة تنظيم الدولة الإسلامية في القاهرة وغيرها من المناطق من شأنه أن يخلق المزيد من العقبات في طريق أي تعاف لقطاع السياحة.

6