الإرهاب لم يصرف أنظار العالم عن متحف باردو

يعتبر متحف باردو المتحف الوطني التونسي من أكبر المعالم التاريخية في تونس وهو المقصد الأول لزوارها لاستكشاف أكبر مجموعات الفسيفساء في العالم، لكن هذه القيمة التاريخية والثقافية لم تحمه من الاستهداف من قبل مجموعات إرهابية مسلحة بل جعلته مغريا لها وهو ما أضر ببعض آثاره وأودى بحياة زواره، غير أن المتحف سرعان ما فتح أبوابه ليثبت أنه سيظل رمزا للثقافة الصامدة أمام الظلامية والإرهاب.
الاثنين 2015/07/13
العملية الإرهابية في باردو لم تطل المعلم ومحتوياته

تونس- من المفارقات أن الهجوم المسلح الذي أودى بحياة عدد هام من السياح يوم الأربعاء 18 مارس 2015 في متحف باردو ورغم ما خلفه من زعزعة للساحة الأمنية التونسية ورغم نتائجه الوخيمة على قطاع السياحة -وبالتالي على الاقتصاد التونسي بشكل عام- إلا أنه لفت أنظار العالم لهذا المكان بل يمكن القول بأنه قدم له حملة دعائية ما كانت وزارة الثقافة التونسية قادرة على القيام بها وسط تأزم الوضع المالي للحكومة.

الإرهابيون القائمون بالهجوم على متحف باردو هم أعداء الثقافة والذكاء أيضا لأنهم لم يتصوروا أنه مثلما فتحوا النار على زوار المتحف ومحتوياته وسفكوا الدماء وأضروا عددا من القطع الأثرية ومن لوحات الفسيفساء فتحوا أعين العالم عن المتحف ودفعوا الكثير من المتابعين والمهتمين خاصة في الدول الغربية نحو البحث عبر جميع وسائل البحث للتعرف على المتحف وعما يحتوي من آثار وعن الأسباب التي تجعله مقصدا لعدد كبير من الزوار سنويا وهو إلى حد اليوم يستهوي كثيرين رغم ما يحف بزيارة تونس من جدل يتعلق بالمسائل الأمنية والإرهاب.

متحف باردو يضم أكبر مجموعة فسيفساء في العالم من حيث العدد والقيمة، وتعد هذه اللوحات تجسيدا عبر مشاهد تصويرية متنوعة لمختلف الحقب التاريخية التي شهدتها تونس عبر الحضارات المتعاقبة على أرضها منذ العهد الروماني، وهي بجانب بقية القطع الأثرية وسيلة لفهم تاريخ المجتمع التونسي بثرائه الثقافي، منذ سقوط قرطاج إلى دخول العرب في القرن السابع ميلادي.

الفسيفساء فن وحرفة توارثتها أجيال من الفنانين في تونس وهي تجذب الناظر لها بدقة تركيب قطعها الصغيرة الملونة وبطريقة ترصيفها وإلصاقها بعضها البعض وفق تقنيات ووسائل مخصصة ومصممة لذلك، وبطرق فنية ترتكز بالأساس على أن يجمع الفنان بين سمات عديدة منها الذوق الرفيع والإتقان في الرسم والدقة في التركيب.

وكان سكان أفريقية قديما (تشمل تونس والشرق الجزائري والغرب الليبي) بارعين في تصميم لوحات الفسيفساء التي وجدت لاحقا في عديد المواقع الأثرية وفي عديد المناطق وهي تضم صورا ومشاهد، تعبر عن الأيديولوجيا والتفكير في ذلك العصر، فضلا عن تجسيدها لطريقة العيش وللحياة اليومية ولحياة الحكام في تلك الحقب التاريخية.

في الواقع لا يكتسب متحف باردو قيمته الفنية مما يعرضه من قطع وكنوز أثرية فقط، بل أيضا من جمال وعراقة المكان الحاضن لهذه النفائس

وتغطي لوحات الفسيفساء في متحف باردو مساحة تعادل خمسة آلاف متر مربع، مقسمة بين آلاف اللوحات، ومن أكبرها لوحة سوسة التي تبلغ مساحتها 130 مترا مربعا، وتزن أربعة أطنان ولأنها اكتشفت في مدينة سوسة، فقد حملت اسمها وفيها تجسيد للبحر و”لإله البحر نبتون الإله الحامي للمدينة “، حسب المعتقدات الأسطورية وقتها. كما أن متحف باردو، يجمع أغلب المكتشفات الأثرية في تونس ويضم عددا من تماثيل الآلهة والأقنعة التي أبدع الرومان صنعها وعددا من النقوش والقطع الخاصة بالحضارة العربية الإسلامية، والتي تجسد في معظمها ثراء الحضارة التونسية.

ولعله من حسن حظ التراث التونسي ومن حسن حظ التونسيين أن العملية الإرهابية التي شهدها المتحف لم تصبه إلا بأضرار طفيفة حتى في لوحات الفسيفساء المنتشرة في أرجائه وفي ساحة الهجوم وهو ما دفع السلطات التونسية ممثلة في وزارة الثقافة والمحافظة على التراث إلى فتحه بعد حوالي أسبوع مع الإعلان عن عزمها على إصلاح الأضرار الخفيفة في الآثار والفسيفساء وفق المعايير العلمية في الترميم.

وهو ما عبر عنه مدير المتحف بقوله “بالنسبة إلى المتحف، ليست هناك أضرار حقيقية، هناك بعض الشظايا هنا وهناك، وهي أشياء بسيطة قابلة للإصلاح”.

في الواقع لا يكتسب متحف باردو قيمته الفنية مما يعرضه من قطع وكنوز أثرية فقط، بل أيضا من جمال وعراقة المكان الحاضن لهذه النفائس فبنايته كانت مقرا لبايات العهد الحسيني -حكام الدولة الحسينية في تونس التي امتدت من عام 1705 إلى عام 1957- وشيّد في البداية ليكون قصرا لحريم العائلة الحسينية، سمي حينها القصر الصغير وقد أمر ببنائه الحسين بن علي باي، بنمط معماري تونسي أندلسي ثم أصبح متحفا تحت تسمية المتحف العلوي (نسبة لعلي باي) الّذي تولّى الحكم في تونس من 1882 إلى 1902.

وضم المتحف العلوي عددا من الاكتشافات الأثرية والوثائق التاريخية النادرة ذات الشهرة العالمية والقطع واللوحات والتماثيل التي يعود بعضها إلى فترات ما قبل التاريخ، والفترة البربرية اللوبية، والفينيقية البونية، والرومانية القديمة، والبيزنطية، والوندالية المسيحية، والعربية الإسلامية وهي كلها حضارات مرت على تونس وتركت آثارها وبصماتها في تاريخ وثقافة البلاد. وبعد استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي حمل القصر اسم متحف تونس الوطني واتخذ اسم المدينة التي يقع فيها وهي مدينة باردو ليسمى المتحف الوطني بباردو.

12