الإرهاب لن يهزم الاستثناء التونسي

الثلاثاء 2015/04/07
تونس تواجه الإرهاب بإرادة الحياة

باريس - أشادت مجلة “نوفال أوبسرفاتور“ بالعلاقات الفرنسية التونسية، وكتب مديرها جان دانييل في افتتاحية بمناسبة الزيارة التي يؤدّيها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى فرنسا يومي 7 و8 أبريل الجاري ”نحن مع التونسيين وسندعم الديمقراطية الناشئة في هذا البلد لمواجهة تحديات مشتركة وعلى رأسها محاربة الإرهاب”.

ودعت المجلة الفرنسية، التي فتحت صفحاتها للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ليكتب فيها عن “تونس في مواجهة الإرهاب”، إلى أن تكون المساعدة لتونس كبيرة في حجم التحدي.

وجدت البذور الجيدة للحرية فرصتها في التربة التونسية لتنبت وتنمو وتصل إلى العالم الواسع، الذي اندفع حتى الآن، في مواجهة العاهات. بالتأكيد، الأعشاب الطفيلية لم تختف حتى الآن، ولم تتخل عن رغبتها في خنق هذه النبتة الصغيرة المبتدئة في السياق العربي.

الهجوم الأخير على باردو يوضّح قسوة هذا الواقع، حيث استهدف الهجوم ديمقراطيتنا واقتصادنا وتقاليدنا العريقة في الضيافة. لقد تم تدوين أسماء الضحايا الذين سقطوا على أرضنا على النصب الموجود في ساحة باردو حيث اختلطت دماء السياح الأجانب بدماء تونسيين، والذي سيخلّد ذكراهم إلى الأبد في الذاكرة الوطنية التونسية.

نبتة الحرية هذه الصغيرة توجد الآن في أيد أمينة. إنها محمية بشجاعة وبإرادة التونسيين جميعا الذين يعتزون كثيرا بالقصيدة الشهيرة للشابي، وهي شعار نشيدنا الوطني “إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر“.

كان صدى هذا الشعار واضحا أثناء نضالنا من أجل التحرر الوطني. لقد أردنا الحياة، بدءا من احترامنا للحياة نفسها ولمواطنينا، ولكن أيضا لخصومنا، الذين كانوا في ذلك الوقت من الظالمين.

اعتبر زعماء الحركة الوطنية، وعلى رأسهم بورقيبة أن الحرية المكتسبة يمكن أن تغرق في بحر من الدماء إذا ما تعلق الأمر بالبندقية وحدها، وتصبح الحرية عندها قاتلة للدولة المستقبلية التي أردناها، في الأصل، والتي مما لا شك فيه ما تزال مدنية.

هذه اللحظة التي مرت من ملحمتنا الوطنية يمكن أن تجعل “الاستثناء التونسي” نقطة مضيئة اليوم في ظل المشهد الفوضوي الذي تواجهه بلدان أخرى في “الربيع العربي”.

لفهم مكونات الربيع التونسي يجب الرجوع إلى الإصلاحات الحداثية الجريئة التي تمت في أعقاب الاستقلال

النموذج التونسي

القفزات الصغيرة في الفضاء غير مستحبة، البراغماتية أفضل من المغامرة، والحوار أفضل من المواجهة والاعتدال أفضل من المزايدات، والتعقل أفضل من التعصب، إنها المبادئ التي قادت مسارنا الطويل نحو التحرر الوطني. ما زلت على قناعة بأن هذه الخيارات شكلت شخصيتنا الوطنية، كانت دائما مقاومة من أجل التفوق تحكمها روح الإصلاح وتقاليد الحداثة. وفي هذا التدرب الجماعي على العقلانية يجب أن نفهم ما يسمى عادة “النموذج التونسي“.

وللبحث عن مكونات الربيع التونسي يجب الرجوع إلى الإصلاحات الحداثية الجريئة التي تمت في أعقاب الاستقلال، والتي قادت إلى ثورة بموجب القانون. هذا، بالإضافة إلى المقاومة السياسية الجماعية والفردية التي واجهت التجاوزات الاستبدادية في عهد بورقيبة والطغيان الفاسد لزين العابدين بن علي.

يقول بول فاليري “أفضل لاعب في ما هو جديد هو من يلبي رغبة قديمة”.

في الثاني عشر من يونيو عام 1972، نشرت مقالا في صحيفة “لوموند” بعنوان “أسباب للرحيل”، بعد استقالتي من منصبي كسفير لتونس في فرنسا. كنت خاطبت بورقيبة، حتى وهو في ذروة قوته وشرعيته التاريخية، قائلا إنه يمكن لنظامه أن يستمر “فقط في حالة أن الاستقرار الذي تحقق استنادا إلى الإخلاص للرجل يمكن أن يتبعه استقرار يستند إلى المؤسسات الديمقراطية”. وقلت له أيضا، مقتبسا، بحذر كلمة الكاتب الفرنسي الكبير “إن ما لا تفعله الثورات بنفسها، سوف يفعله بها الآخرون”.

قد يكون من المفيد أن أذكر، أني لست مهتديا حديثا لفكرة الديمقراطية. عندما قرأت في إحدى الصحف أني لست سوى “استعادة” للنظام القديم، تحمّلت ألمي بالصبر، وكررت مع هاري ترومان أن “ما يقال يجب أن يكون جديدا في هذا العالم، إنه التاريخ الذي نجهله”.

عملية باردو الإرهابية تفشل في ضرب عزيمة التونسيين ووحدتهم

إنجاح المسار الديمقراطي

عندما تم استدعائي لمنصب رئيس الحكومة في عام 2011، في ظروف مأسوية كما نعلم، قبلت وأنا أشعر أن التاريخ يمد إليّ يده من أجل إنجاح المسار الديمقراطي الذي فشلنا في تنفيذه في عام 1970. لم تخطر ببالي فكرة استئناف النشاط السياسي لمدة طويلة أردت فقط أن أؤمّن الانتقال من الثورة إلى الدولة من جديد. وكان يدفعني أمل حماية الثورة من الفوضى التي تهدد الدولة بالانهيار.

زمن رئاستي للحكومة لم يدم طويلا، استمر فقط لثمانية أشهر. لكنني أعترف أني لم أكن مستاء مما سجّلته في رصيدي في هذه الفترة القصيرة جدا. فقد تمكّنا من إنجاز أول انتخابات حرة في بلد عربي، وهو ما سيذكره التاريخ. ماذا حدث ليضطرني إلى تمديد نشاطي السياسي؟ في البداية كانت انتخابات 23 أكتوبر عام 2011، مثيرة للقلق، ليس لأنها سمحت لحزب النهضة بالوصول إلى السلطة، ولكن لأنها كشفت عن المشهد السياسي، فإلى جانب الإسلاميين، كان المشهد منهارا وغير قادر على إقامة ديمقراطية حقيقية، بالتلازم مع ضرورة التداول على السلطة.

الانسجام والإجماع المفيد

لهذه الأسباب، كونّا حركة نداء تونس. على الرغم من أن مشروعي الأولي، الذي تحدثت عنه في خطابي في 26 يناير عام 2012، لم أكن على استعداد لتكوين حزب أو للمشاركة في ذلك. استمعت فقط للتشجيع من الديمقراطيين والإصلاحيين لكي يتحدوا من أجل أن يكونوا أكفاء وقادرين على تقديم البديل.

وفي مواجهة الصعوبات التي يمر بها المعسكر الديمقراطي من أجل تحقيق اللحمة رغم الجهود الباسلة التي بذلها ممثلوهم، ونظرا للمخاطر الكبرى التي تنتظر البلاد، أدركت أن البناء الذي شيده التونسيون حجرا تلو آخر مهدد بالانهيار. وأنه ليس لدي الحق في التنصل من مسؤولياتي. كما أن الرغبة في الانسجام والتوافق المفيد ألهمت عملي بالاستمرار، وحتى قبل تكوين نداء تونس.

إن هذه الرغبة في إعادة اللحمة التي انكسرت قبل وأثناء وبعد الثورة، هي التي حفّزتني، وبعد كثير من التردّد، أعلنت ترشحي لرئاسة الجمهورية.

لقد عبر لي المواطنون مرة أخرى عن ثقتهم. وأنا ممتن لهم. وسوف أسعى إلى أن أكون جديرا بنيل أصواتهم، لضمان حماية حرياتهم، والدفاع عن مصالحهم في العالم.

السبسي: إعادة اللحمة بين الشعب هي التي حفزتني للترشح لرئاسة الجمهورية

العالم يساند تونس

الصعوبات التي تواجه بلدي تتناسب مع التطلعات المشروعة لشعبه. كلاهما لا حد له. يقول أرخميدس “أعطني نقطة ارتكاز وسوف أحرك العالم”. أتساءل كل يوم عن نقطة الارتكاز التي من شأنها أن تساعدني على جعل العالم يساند تونس.

دائما، توجهني الإجابات المطلوبة منّي إلى التونسيين في المقام الأول. مجتمع، دوّن تجربته على الصفحات الأولى للقرن الحادي والعشرين، من خلال ثورة سلمية ومدنية وديمقراطية، قادها الشباب، شاركت فيها النساء، وقدّمن التنازلات، فلا يمكن أن يكن سوى شريكات في القرار من أجل إيجاد حل تدريجي للمشاكل التي تواجههن. الشباب في طليعة مشاغلي. أعمل بلا كلل كي يحتلوا مرتبة تتناسب مع التضحيات التي قدموها من أجل تحرير تونس.

ثانيا، أفكر في أصدقائنا الغربيين. وقد قلت في دوفيل في عام 2011، “في الواقع، ليس هناك سوى بداية ربيع تونسي والذي يمكن أن يصبح بالفعل ربيعا عربيا، إذا نجحنا في تونس”.

فرنسا، شريك أساسي

العلاقة بين الشرق والغرب هي التي تحرك بلدنا. إذا كنا نريد جعل البحر الأبيض المتوسط همزة وصل، وليس حدودا مقامة، فضاء للتبادل وليس مقبرة للشباب تدفعهم إلى الانتحار على متن قوارب بدائية الصنع. إذا كنا نريد إنقاذ شبابنا، من جانب أو آخر، من الإغواء المروع في مدننا أو في الصحارى “الداعشية” يجب علينا أن ندرك أن السلام لا يمكن تحقيقه إلا بشكل متضامن. والبناء الديمقراطي الذي تأسس إلى حد كبير في بلادنا يحتاج إلى تعزيزه اقتصاديا من أجل الحفاظ على مصالحنا المشتركة.

إن مواجهة الإرهاب، بالإضافة إلى تآخي الشعوب والجيوش، تتطلب الرد بمشروع مشترك. في هذا الكفاح من أجل مصير مشترك، حيث سيكون هناك منتصرين فقط، وفرنسا شريك رئيسي في ذلك.

7