الإرهاب ليس مجرد شاحنة..

السبت 2016/07/16

ليس مهما أن نعرف من أين قدمت وكيف مرت تلك الشاحنة التي دهست العشـرات من الفرنسيين غيلـة وغـدرا، والذين كانوا يحتفلون بالعيد الوطني لبلدهم في مـدينة نيس جنـوب شـرق فرنسا، ليس مهما أنّ الشاحنة كـانت محملة بالأسلحة أو المتفجرات، لكننا نعرف أن المتفجرات موجودة داخل جمجمة السائق.

إننا على الأرجح أمام منهجية جديدة في استراتيجية الجهاد العالمي قد توحي بإمكانية قتل العدد الأكبر من الناس بكل الوسائل المتاحة، ما يجعل المهمة الأمنية أكثر صعوبة وأشد تعقيدا. ومن ثمة فهذا هو السؤال الأهم: من أين جاءت تلك الألغام المبثوثة في الأذهان، وكيف وصلت إلى رأس سائق الشاحنة؟ ليس مهما أن نعرف شيئاً عن الأصول التونسية للسائق أو أصول والديه، فليس لهذا المبحث من معنى طالما أنّ الإرهاب التكفيري أمسى معولماً منذ زمن طويل جراء عولمة المفاهيم الأساسية للفقه التكفيري: الجهاد، دار الحرب، البراء، الباطل، الشهادة، إلخ.

لكن يهمنا كثيرا أن نعرف القنوات التي تمر عبرها تلك المفاهيم، والتي هي، في كل أحوالها، عبارة عن شبكات تنظيمية منفلتة من عقالها، بصرف النظر عن استثمارها للبعض من الوقت من طرف هذا الجانب أو ذاك. غير أن معضلتنا الأساسية في العالم الإسلامي غياب الشّجاعة الكافية لطرح السؤال الأكثر أهمية والأكثر راهنية: من أين تأتينا كل هذه القدرة على الحقد والكراهية واسترخاص الأرواح واستباحة الدماء؟ إننا لا نملك الشجاعة الكافية، بل قد لا نملك أحيانا حتى الحد الأدنى من النزاهة مع الذات حين نصر على إلقاء اللوم بنحو سخيف على الآخرين.

يجب أن ندرك أن الأفكار التكفيرية التي أشعلت حروبا أهلية وفتنا في الكثير من الدول العربية والإسلامية؛ الجزائر ومصر وليبيا وسوريا ومالي، إلخ، وتهدد اليوم العديد من العواصم الغربية، تضعنا جميعنا داخل قفص الاتهام: ماذا فعلنا لأجل تفكيك المفاهيم الملغومة التي تنتقل مثل العدوى بين الأذهان؟ صحيح أننا لا نعيش في أفضل العوالم الممكنة، لكن من باب الكذب العدمي أن نصر على محاولة إقناع الناس بأنهم يعيشون في أسوأ العوالم على الإطلاق. هنا بالذات تكمن الأسطورة المؤسسة لخطاب التطرف الديني. وإذا كان التطرف الديني في الديانات الأخرى يواجهه المثقفون والإعلاميون والساسة الرسميون فماذا عن تطرفنا؟

في الواقع، ليس الإرهاب مجرد شاحنة، إنما هو فكر ومفاهيم أولا. لذلك لا يمكننا القضاء على الفكر المتطرف دون إصلاح الخطاب الديني، إصلاحا يقوم به المسلمون أنفسهم. فليس هنـاك من ينوب عن أهل البيـت في إصـلاح البيت الداخلي. وهذا حتى لا نقع في فخ صدام الحضارات الذي سيكون بالنسبة للمتطرفين “هدية السماء السابعة”.

مقصود القول، دون لف ولا دوران، ودون تفتيش للنوايا أو قراءة للفنجان، أن الكرة عندنا في ملعبنا الآن كمسلمين وكمجتمعات إسلامية، وأن العالم لن ينتظرنا إلى ما لا نهاية، لا سيما بعد أن انتشر التهديد في كل مكان. من المتوقع أن يكون علينا ضغط شديد في هذا الاتجاه. لكن بدل مقاومة الضغط مما سيؤجج نار التطرف، تقتضي الحكمة عدم التملص من الاستحقاق الإصلاحي الذي ينتظرنا. وصدق الوحي عندما قال “ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”.

كاتب مغربي

9