الإرهاب والإجرام في أوروبا.. صلات وثيقة واعتماد متبادل

الإسلاميون يفرضون على السكان العاديين التعايش بين الأيديولوجيا الإسلامية والربح السهل من تجارة المخدرات والسطو على أملاك الناس.
الاثنين 2018/03/05
للإرهاب صلات وطيدة بالإجرام وبالتهريب وتبييض الأموال

  في شهر فبراير الماضي، ألقت الشرطة الجزائرية في غرب البلاد القبض على متطرف فرنسي من أصول جزائرية يدعو إلى العنف وينادي بإقامة دولة إسلامية في الجزائر. وتبين أن المعنيّ هارب من العدالة السويسرية حيث ارتكب جريمة سطو على محل بيع للمجوهرات في شهر مارس من السنة الماضية في جنيف بمعية شخصين آخرين.

وقد وصلت قيمة ما سرقه حوالي 15 مليون أورو. وهرب إلى الجزائر لينشر التطرف مستغلا الأموال التي استولى عليها باستعمال العنف. وليست تلك هي المرة الأولى التي تجتمع فيها اللصوصية الكبرى والجهادية في فرنسا، بل بات مؤكدا حسب مصادر أمنية وتقارير صحافية كثيرة أن الإجرام والإرهاب يتغذيان من بعضهما، فكثيرا ما يتحول المارقون ذوو السوابق العدلية الثقيلة إلى جهاديين إرهابيين دمويين.

ولم يعد خافيا على أحد أن محترفي السطو العنيف باتوا يتحركون تحت غطاء الإسلاموية الواسع. ومن البديهي أن ليس كل الجهاديين هم من الجانحين السابقين، ولا كل الجانحين يتحولون حتما إلى جهاديين، غير أنهم ينتمون إلى عالم واحد نظرا لظروف جيرة معينة تحت سماء ما يسمى بـــ”أقاليم الجمهورية الضائعة”، ويعني بعض الأحياء المتاخمة للمدن الفرنسية الكبرى والمأهولة بأغلبية مسلمة والتي يتحكم فيها الإسلاميون تحكما شديدا ويفرضون على السكان العاديين ذلك التعايش الخطير بين الأيديولوجيا الإسلامية والربح السهل من تجارة المخدرات والسطو على أملاك الناس.

ولئن كان من نافلة القول التأكيد على عدم التعميم، إذ أن جل سكان تلك الأحياء لا علاقة لهم لا بالإجرام الأيديولوجي ولا بالإجرام العادي، فإن هؤلاء الخارجين عن القانون كثيرا ما يتخذون من أحيائهم المعزولة مقرا للاختباء عن أنظار رجال الأمن.

 

وقائع كثيرة في أقطار عديدة أثبتت أن للإرهاب صلات وطيدة بالإجرام وبالتهريب وتبييض الأموال. أعمال وأنشطة تتغذى منها شبكات الإرهاب من منطلقات وتسويغات كثيرة، إذ تسعى الجماعات الإرهابية إلى التزود بما تحتاجه ماليا وبشريا من تلك الأنشطة، كما يمكن أن تمارس الأنشطة الإجرامية تحت مسميات من قبيل “الاحتطاب” وغيرها، لتظل الصلات وثيقة وتحتاج انتباها في سياق مقاومة الإرهاب وفهم زواياه وتجفيف منابعه

ويجد السكان أنفسهم تحت سيطرة جماعات الإجرام والإرهاب وحتى وإن عارض بعضهم هذا الاحتلال المزدوج فيبقى الإرهابيون في تلك الإحياء كأنهم في روضتهم، كالحوت في مياه البحر.

وإن كان لا يجب التعميم، فلا ينبغي الخوف من مواجهة الحقيقة والإشارة إلى ارتباط بعض جماعات الإجرام والسطو مع الجماعات الجهادية بسبب انتمائهما إلى نفس المجموعة الإثنية والدينية وكرههما للغربيين وثقافتهم.

والمقصود هنا ليس الجريمة بشكل عام، وإنما تلك الجريمة المرتبطة بالضواحي المذكورة سابقا حيث الثقافة الإسلامية الأصولية هي المفروضة، وهو ما يجعل هؤلاء الجانحين في علاقة وطيدة مع الإرهاب الجهادي، يمكن تفكيكها في نقاط تداخل عديدة أهمها:

تتفق الدراسات والتقارير على أن حوالي 70 بالمئة من السجناء في فرنسا هم من أصول إسلامية وينحدرون من الضواحي، وتعتبر السجون مرتعا للمتطرفين الإسلاميين وهي مكانهم المفضل للتأثير على المساجين الجدد الباحثين عمن يحميهم في غابة السجن، وقد يصل الأمر إلى مد عائلاتهم خارج السجن بمعونات هامة ولكن سرعان ما تتحول تلك الحماية إلى ضغوط تجبرهم على الانضمام والعمل مع المجموعات الجهادية بمجرد خروجهم من السجن، وهكذا يكون مرورهم على السجن قد ربط ربطا تنظيميا بين السرقة والسطو ومعاداة الآخر والعنف الجهادي.

لقد تبين من دراسة حالات كثيرة أنه إن كان من السهل أن يتطرف شاب عادي تحت تأثيرات ما ويهجم على جندي أو أي شخص آخر مستعملا خنجرا أو سيارة ثم يقتل برصاص الشرطة أو يقبض عليه أو ينتحر، فإنه من الصعوبة بمكان أن يجد أسلحة نارية ومخابئ وأوراقا ثبوتية مزورة، وأن يتمكن من سرقة سيارة ليتنقل من منطقة إلى أخرى ثم الاختفاء تماما بعد عملية إرهابية ليحضر أخرى إذا لم تكن لديه علاقات مع أفراد متعودين على النشاطات الاقتصادية السرية والتهريب ويتعاملون مع الجهاديين إن لم يكونوا هم أنفسهم جهاديين أصلا.

ولا يشكل الماضي الإجرامي لهؤلاء المتربصين الجهاديين الجدد أي عائق أمام تطرفهم الديني، بل إن سجلهم الأسود هو الذي يجعلهم غير مبالين بمخالفة القانون، ولا بما يرتكبون من أعمال إرهابية وحشية، بل إن ماضيهم ذاك هو الذي مدّهم بمؤهلات يستغلونها اليوم في ممارسة العمل الجهادي الإرهابي.

وخير مثال على ذلك حالة أميدي كوليبالي، الإرهابي الذي احتجز رهائن في باريس في متجر يهودي وقتل بعضهم باسم الجهاد سنة 2015 قبل أن تقضي عليه الشرطة. لقد عاش طفولة عادية قبل أن يشارك في عملية سرقة دراجات نارية وهو في سن الـ18 لم تمر بسلام حيث قتل شرطي صديقه الذي كان معه، وهذا ما ترك جرحا كبيرا في ذاته لم يستطع تجاوزه.

الإرهاب

وبعد ذلك بسنتين أي في عام 2002 قبض عليه في قضية سطو على مؤسسة بنكية وحكم عليه بعقوبة 6 سنوات نافذة، وفي 2005 التقى في السجن مع إرهابي من الجماعات الإسلامية المسلحة محكوم عليه بتهمة الانتماء إلى القاعدة وهكذا تشبع بالفكر التكفيري على يد هذا الإرهابي الجزائري وأصبح جهاديا.

لا نجد موقفا صارما تجاه الجنوح والسطو لدى الإسلام السياسي الناشط في فرنسا فحسب، وربما يركب الإسلاميون على موجة ذلك الشعور الذي تبثه وسائل الإعلام تحت ضغط الجمعيات اليسارية والإنسانية والذي يفهم منه أن المسلمين في فرنسا محرومون من حقوقهم، ومنا هنا تبدو أعمال السطو والعنف التي يرتكبها الشبان المسلمون وكأنها رد على عدوان واسترداد لحق مسلوب وليس كاعتداء وكخروج عن القانون والضوابط.

لقد عشنا في الجزائر ظاهرة استخدام الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر لذوي السوابق العدلية الثقيلة لأنها أدركت في قرارة أنفسهم نوعا من الشعور بالإثم والعار، فاقترحت عليهم التكفير عن كل ذلك بالتحول إلى جنود في سبيل الله في صفوفها.

 وهو ما يفعله الإسلاميون في فرنسا ونعلم أن الكثير منهم هم “إنقاذيون” (نسبة لجبهة الإنقاذ) متابعون قضائيا في الجزائر بتهم الإرهاب قدموا لاجئين إلى فرنسا في بداية التسعينات.

ويحاول الإخوان والإسلاميون عموما، واليسار وبعض اليمين تقديم الشبان المنحرفين والجهاديين على أنهم ضحايا المجتمع والإسلاموفوبيا وأنهم غير مرغوب فيهم.

ومن هنا فإن ذلك يمثل تشجيعا غير مباشر للانحراف والإرهاب وتشجيعا على الالتقاء والتكتل ضد عدو واحد هو المجتمع الفرنسي ومؤسساته الأمنية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وهذا الموقف السلبي يعفي المجرمين والإرهابيين من مسؤولياتهم الفردية ويربك الذين يرغبون في مكافحتهم.

إذا وسعنا التسامح غير المحدود ليشمل حتى غير المتسامحين، وإذا لم نكن مستعدين للدفاع عن المجتمع المتسامح والوقوف في وجه التعصب وآثاره، يقول الفيلسوف كارل بوبر، فقد يتم تدمير المتسامح والتسامح معا.

13