الإرهاب والإهمال يختطفان تيكجدة من الجزائريين

الخميس 2015/02/05
المناطق الجبلية في تيكجدة تجذب السياح للتزلج على الثلوج خلال فصل الشتاء

تيكجدة (الجزائر) – تجتذب منطقة تيكجدة الجزائرية الكثير من الباحثين عن الراحة والاستجمام خلال فصلي الشتاء والربيع، حيث أصبحت مقصدا مهما لممارسة الرياضات الجبلية والتزلج واكتشاف المناظر الطبيعية الساحرة.

على ارتفاع 1700 متر على مستوى سطح البحر تتربع تيكجدة على عرش جبال جرجرة بمنطقة القبائل على بعد 100 كلم شرقي العاصمة الجزائرية، في عز وكبرياء نظير ما وهبها الخالق من جمال خلاب وطبيعة جذابة تجتمع فيها أشجار الأرز والفلين والبلوط والصنوبر الحلبي والصنوبر الأسود الشامخة، وتقطع صمتها الرهيب أصوات النسور الملكية والطيور والثعالب والضباع وقردة الماغو، وتمنح زائريها فرصة الاستمتاع ببانوراما نادرة تمتزج فيها زرقة السماء وبياض الثلج وخرير المياه.

وتقع منطقة تيكجدة السياحية على حدود محافظتي البويرة وتيزي وزو بمنطقة القبائل، وهي إحدى الحظائر الطبيعية المدرجة في نطاق المحميات الطبيعية في الجزائر، حيث صنفت عام 1935 (حقبة الاستعمار الفرنسي) ضمن الحظيرة الوطنية، وفي عام 1998 تم تصنيفها ضمن التراث العالمي البيئي.

وتعتبر وجهة سياحية بارزة في البلاد نظير الكنوز التي تحتضنها خاصة في فصلي الشتاء والربيع، ومقصدا مهما لممارسة الرياضات الجبلية كالتزحلق على الثلج وتسلق الجبال والركض وحتى لممارسة بعض الرياضات الجماعية، إلى جانب الراحة والاستجمام للزائرين الذين يقصدونها من مختلف ربوع الجزائر.

تيجكدة تحتم على زائرها العودة إليها

ورغم استفادتها في السنوات الأخيرة من استتباب الأمن في المنطقة وبعض الاهتمام من السلطات المشرفة على السياحة لاستقطاب عدد محدود من السياح والوفود الزائرة، إلا أن تيكجدة تبقى تعاني من المسيرين “الهواة” للقطاع، ومن عدم الاهتمام الجدي للحكومة بقطاع السياحة، كثروة دائمة لتعويض ريع النفط، بدليل أن المشرفين عجزوا إلى حد الآن عن تسويق محترف للحظيرة كوجهة سياحية نادرة في العالم.

ولحسن حظ تيكجدة أنها استطاعت أن تتجاوز انعكاسات حادثة اختطاف الفرنسي هيرفي غوردال في شهر سبتمبر الماضي من طرف ما يعرف بالتنظيم المتطرف “جند الخلافة”، فالمراقبون توقعوا أن تشكل الحادثة نكسة سياحية للمنطقة.

تيكجدة التي تكتنز لوحات ومشاهد طبيعية نادرة يعجز كبار الفنانين على استنساخها في لوحاتهم التشكيلية، تحمل أسرارها في ثناياها الساحرة التي تحتم على زائرها العودة إليها أو نصح رفاقه باكتشافها، لأن قضاء ساعات أو أيام بين ظهرانيها يعوض الفرد عناء ومشقة الحياة ويريحه من ضغوط وضجيج المدن، هذا إذا لم تكن مستقبلا إحدى توصيات الأطباء لمرضاهم. وتستقطب منطقة الفنادق على مدار أيام السنة، أعدادا متواصلة من السياح الأجانب والمحليين، طلبا لإقامة هادئة تبعث السكينة وتفتح المجال للخروج لاكتشاف عدة مواقع سياحية، يستلزم الوقوف عندها زيارات متكررة.

وإذ يجمع روادها من الأجانب المرتبطين ببعض المشاريع التنموية في ربوع المحافظة من جنسيات أوروبية مختلفة، على أن مناظر كتيكجدة لا نظير لها في أوروبا، إلا أن نوعية الخدمات والمرافق التي يضطلع بها العنصر البشري تبقى بعيدة عن مستوى ما تقدمه الطبيعة للإنسان.

ويقول العارفون بأسرار تيكجدة إن من لم يزر مغارة ”أسول” لم ينل شيئا من زيارته للوجهة لما لهذا المكان من جاذبية وإبهار، فالمغارة العميقة التي تستوقف المنبهرين بإعجاز الخالق عز وجل في نحته لـ”هوة النمر” التي يصل عمقها 1007 أمتار وهي أعمق هوة في أفريقيا، وبالقرب منها مغارة الجليد التي يزيد عمقها عن 230 مترا، وهي عبارة عن مغارات عمودية تحتفظ بكميات من الثلوج حتى في عز فصل الصيف، مما يبعث هواء منعشا وحرارة معتدلة في، وتعد مصدر رزق لمن يعرفون بـ”تجار الثلج” في فصول الصيف.

يتوافد السياح على تيكجدة خلال عطلة نهاية الأسبوع بعيدا عن ضجيج المدن

ويبقى التسويق لوجهة تيكجدة رهين التسيير الهاوي للقطاع في ترتيبه العمودي ابتداء من السلطات العليا للبلاد إلى غاية الهيئات الحكومية المحلية، فلغاية الآن لم تحظ المنطقة بمخططات سياحية ناجعة تدر العملة الصعبة للخزينة، وتبقى الممارسات الاستعراضية والفلكلورية هي المهيمنة على النشاط العام، ويتم الاكتفاء ببعض التظاهرات والمهرجانات الموسمية ومبادرات الاكتشاف الذاتي.

وتعوّل السلطة المحلية في محافظة البويرة على استقطاب المزيد من ممارسي الرياضة الجبلية لاستقطاب أعداد جديدة من الزوار، حيث تعتزم تنظيم أول مهرجان وطني للسياحة الجبلية، بين 20 و23 مارس المقبل، يتضمن رياضة القفز بالمظلات والتزحلق على الثلج، وتسلق الجبال وسباق الدراجات وألعاب القوى، لكنه لم يتم التفكير في فتح المهرجان على هيئات أو اتحادات إقليمية من شمال أفريقيا والشرق الأوسط مثلا أو من أوروبا لإنجاز تسويق سياحي لوجهة مؤهلة لأن تكون رئة اقتصادية منتجة للثروة ومواطن الشغل.

وتبقى أرقام الاستقطاب وطاقات الاستيعاب بعيدة عن أفق الطامحين، للتوفيق بين “هدية” إلهية للمنطقة وبين واجب الإنسان في تثمين ثروته الأزلية، فالعشرون ألف زائر على أقصى تقدير في السنة وهياكل ومرافق لا تلبي رغبات الزائرين، لا تعكس قيمة الوجهة وندرتها في العالم، التي تبقى في حاجة إلى “انتفاضة” حقيقية للنهوض بتيكجدة سياحيا وتراثيا وطبيعيا والاستفادة من ريعها الأزلي بدل “صداع” الغاز الصخري.

20