الإرهاب والترهيب أزمة فكر قبل أن تكون قضية أمنية

الخميس 2015/01/15
الإرهاب ظاهرة مركبة ومعقدة أسبابها كثيرة ومتداخلة ومقاومتها تبدأ بالفكر قبل السلاح

الإرهاب نوع متطوّر وخطير من العنف البشري يرجع إلى عوامل تغذّيه ودوافع تحرّكه وجهات تستغلّه، ضمن حرب تتشابك فيها المصالح وتتضارب فيها الأهداف. وفي ظل تعقيدات هذه الظاهرة وأسبابها ومستخدميها، تصاعد خطرها ليتجاوز المجموعة المنتجة للعنف والمجموعة المستهدفة به، ليصبح تهديدا دوليا وخطرا عالميا.

في كتابه الشهير “الهويات المتقاتلة” (1998) يتساءل الكاتب اللبناني أمين معلوف: “لماذا يرتكب كثير من الناس هذه الأيام جرائم كثيرة باسم هويتهم الدينية، الإثنية، الوطنية أو غيرها؟”، كما لو أن مآسي العنصرية والفاشية التي ألمت بالقرن العشرين لم تعد تكفي لكي يتّعظ الجميع منها، بحيث أصبح العنف والقتل على الهوية والمذهب والطائفة أقرب إلى حروب الأديان الرهيبة التي وقعت في أوروبا أثناء العصور الوسطى.

بطبيعة الحال، لم تبزغ شمس هذا العنف بين عشية وضحاها دون مقدمات، بل هو ثمرة العديد من العوامل تفاعلت مشتركة ومتفرقة، زاد في حدتها الفقر والتهميش والجهل.

لكن، كيف يمكن تفسير العنف والإرهاب ما دام العامل الاقتصادي والاجتماعي غير كافيين لوحدهما؟ وما هي روافده النفسية والاجتماعية؟ هل ثمة أسباب ذاتية وموضوعية؟ هل يتم بطريقة إرادية أم بطريقة غير إرادية؟ كيف يعقل أن يسير إنسان في ركاب الموت، وهو يعلم أنه لن يسلم هو من ذلك؟ ثم ما هو السبيل الأجدى لمعالجة هذه الآفة الرهيبة؟ ويبقى السؤال المركزي، هل القضية مجرد قضية أمنية أم أن الأمر أعقد من ذلك بكثير؟

ما هي مسببات الإرهاب؟

ثمة مقاربات ومناهج عديدة يمكنها أن تدلو بدلوها لاستجلاء نفسية ذلك الذي اتخذ من العنف وسيلة، خاصة لما تعتمد منطلقات مختلفة التوجهات والمناهج. ذلك أن الفرضية الأولى تقول إن العنف على مدار التاريخ لم يكن حكرا على شعب ولا دين ولا ثقافة بعينها. والحال أن المجتمعات مثلها مثل الأطفال الذين إن لم يتم الالتفات باكرا إلى مخاوفهم وما يقض مضاجعهم، فإن قلقهم وتوتراتهم يكبران بكبر مشاكلهم، لكي تصبح عقدا يصعب التقليل من تداعياتها، حين تتقمص شكل سلوكيات مرضية وانحرافات وعنف حادين.

والواقع أنه في زمن تحولات المجتمعات السريعة والتقلبات المفاجئة والعنيفة، لا تجد “الأنا العليا” أي مساعدة من المجتمع، لأن قيمه ومعاييره ومُثُله أيضا في قاع صفصف، ما يجعل الذهنية الجماعية لشعب ما، تحاول جاهدة أن تحتمي بتبني سلوكيات نمطية من صميم تقاليدها وعاداتها.
القراءة السطحية للنصوص القرآنية والأحاديث تدفع إلى اختزال الدين في رؤى تسجن حاضرها في ماضيها

لكن هذه العملية لا تتم بسهولة، خاصة في ظل رهان مصالح وصراعات سياسية بادية للعيان، بدأت مع مناهضة الاشتراكية وتصويرها عدوا قبل سقوط حائط برلين بالنسبة إلى الملايين التي كانت تؤمن بالعدالة. ثم ما تلاها من فشل الرأسمالية بديلها المسوق في إحلال السلم والرفاهية في العالم وظهور اقتصاد غير مقيد وغير منظم البتة هدفه السيطرة المالية ببأس شديد. تم التركيز على الخطر “الأخضر” مكان الخطر “الأحمر” وبالتالي مناهضة أي خصوصية ثقافية وحضارية، كان رد الفعل الطبيعي عليه مناهضته ومقاومته في العديد من بقاع العالم.

ناهيك أنه في ظل مجتمعات تعرف مشاكل اقتصادية شتى واختفاء روح التعاون والتعاضد الاجتماعيين، نشأ عنه فراغ هائل في المعنى بعد سقوط دعاة التقنية والتقدم في وحل تشرنوبيل وجنون البقر وثقب طبقة الأوزون؛ بحيث بات الجمع بين العلم والأخلاق مستحيلا أمام سقوط كل السرديات الكبرى. حاول البعض معه استغلال ظروف هذا التحول للصيد السياسي وتحقيق مآرب باسم الديانات والقوميات حتى وإن أدى الأمر إلى ضرب قوى المجتمع الحية بعضها ببعض، خاصة من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم حماة أخلاق وقيم وثقافة المجتمع، حيث يتقمص دفاعهم نعرات بدائية تريد استغلال مشاكل الحاضر المزمنة.

والحقيقة أن ذلك يتم بالنسبة إلى الجميع، سواء بالنسبة إلى مناصري ودعاة التقاليد والهويات المنغلقة أو مناصري العولمة الليبرالية وحمأة النزعة الاستهلاكية المحمومة. الجميع يعيش الصدمة على طريقته الخاصة، بحيث يكون الوضع قريبا مما رصده فرويد في كتابه “قلق في الحضارة”، حيث الضعفاء هم من يتعرضون أكثر من غيرهم للصدمات من جراء مس وزعزعة الأنا العليا لديهم (قيم، أعراف، معايير، مثل عليا، عادات…)، وهم من تصدر عنهم في الغالب ردة فعل قوية، بحيث يحاولون الارتماء في أحضان تلك الأيديولوجيات المتطرفة والانغلاق على أنفسهم، لأن تصادم القديم والجديد أو ثقافتين داخلها، يمكن أن يخلف صداما عنيفا فيها.

الهوية في علم النفس وعلم الاجتماع بهذا المعنى توتر دائم ومفارقة مستمرة، لأنها متحولة وغير سكونية، مثلها مثل الطفل الذي يعيش في حضن والديه وتحت رعايتهما. ثم سرعان ما يشب عن الطوق ويتحول بنظرته عنهما إلى بناء مستقبله الخاص بمجرد ظهور أنا سوية لديه، يمكن أن يعتمد عليه.

أمين معلوف: "الصراعات والحروب الجارية مرتبطة بمسألة الهوية الدينية والإثنية"

لكن يقع خلل في مرحلة المراهقة حين يعيش المراهق فك ارتباطه بالعائلة بطريقة صعبة أو يظهر لديهانفصام بين ما يجري في الواقع وما يؤمن به من أفكار، أو حين لا يخصص له المجتمع المكانة التي يستحقها.

وجه الشبه بين الفرد والمجتمع كبير جدا في نموهما وتطورهما، إن لم يكن هذا الأخير عدسة كبرى لما يقع للأول، غايتنا القول إن أي مجتمع ينمو ويعيش في تحول متسارع على قدم وساق، يشبه كثيرا ما يقع للفرد أثناء فترة المراهقة، تلك الفترة الحرجة من نموه الشخصي. فالمرحلة تعرف أزمة بكل معاني الكلمة قبولا أو رفضا لما يحيط به.

ومن ثم يحذرنا علم النفس أن نزعة التسامي كما نزعة العدوانية في هذه المرحلة قريبتان من بعضهما البعض في بناء الشخصية، بل يكفي أن تتوفر ظروف غير سوية سواء من قبل المجتمع، وتفكك الأسرة والفشل في المدرسة حتى تسد المنافذ أمام اندماج الفرد وتتغلب النزعة العدوانية وتظهر حالات من الجنون والكراهية. وبالتالي ينجم عنها عنف من جراء عدم التأقلم، قد يضاعف منه وجود تحولات اجتماعية واقتصادية حادة لا يمتلك الشاب مقومات وضع كلمات لها وتفسيرها، بحيث يلزم أحيانا ثلاثة أجيال بالكامل لامتصاص آثار تحولات جد سريعة، مهما كانت حسن النوايا الاقتصادية والإنسانية أو الأخلاقية التي تكون وراء برامجها.

كيف أثرت التحولات العنيفة في العرب؟

ما سبق ينقلنا مباشرة إلى رصد تداعيات التحديث في العالم الإسلامي، من منطلق التحول الحداثي الذي دخلت معتركه شعوبنا دون سابق إعداد، نظرا للعناصر التالية:

* الصيغة التي دخلت بها الحداثة في العالم العربي كانت عنيفة جدا، تمثلت في العنف الاستعماري.

* السرعة الخارقة في سيرورة تحول جارفة شملت جميع الميادين والقطاعات.

* عدم وجود فكر عربي تنويري

التحديث الذي يتم في ظل غياب ترجمة الأفكار المؤسسة للحداثة والتنوير وفي فترة اتسمت بالتخلي عن التراث العقلاني في الحضارة الإسلامية.

في هذه التحولات العنيفة، ثمة “غربة” ولَّدتها التراجعات في الاجتهادات الدينية والعطالة الفكرية ونجمت عنها أيديولوجيات وتوجهات متطرفة منغلقة، اختلطت بقوة الواقع الحـديث مـع عصر التقـنية والمعـلوماتية.

ثمة هجرة في الداخل ومع الخارج على نحو سيان، بحيث من يتكلم عن الهجرة بمعناها الواسع (هجرة قوارب الموت، هجرة الهروب إلى الماضي، هجرة من البوادي إلى المدن، هجرة اقتصادية إلى بلدان الشمال)، يجعل الهجرة هِجرات لكنها تتضمن كلها معنى الاغتراب وتثير إشكالية الاندماج في عالم متحول وثقافات غير الثقافات الأصلية.

لكن النتيجة واحدة، سقوط في غربة مميتة وانغلاق قاتل حول الذات نجم عنه عنف وعنف مضاد، لا يوازيه في الأهمية سوى الشعور بفقدان الهوية والتيه والضياع.

الإرهاب ينتح عن زيادة في درجات الترهيب المؤدية إلى العنف المادي والرمزي ضد النفس أو ضد الآخرين

هل العنف حل؟

العنف عبارة عن مرض طفولي كامن في صلب جميع التيارات المتعصبة والعنيفة، وهذا العنف يتجلّى لاحقا في الغلو الديني والتعصب الطائفي والعرقي أو اللغوي وتأخذ شكل هذيان محموم بالعودة إلى الطهرانية والنقاوة، لأن تلك العودة لا يمكن لها أن تتم.

والواقع أنه لن ينكر أحد أن هذه الدعاوى حية بيننا وتجد من يرددها، حيث تخلله تنويم فعلي لشرائح كبيرة عبر إثارة قضايا هامشية، منه ما حدث من فتاوى أفتت بجواز إرضاع المرأة صديقها في العمل، إذا كانت بينهما خلوة في المكتب حتى تحرم عليه جنسيا… ومن ثم يصبح عملها معه في المكتب جائزا.

قصص كثيرة تثير العجب والغضب، كما أن اختزال واقع الحال في أمور التقليد والاكتفاء بالقراءة السطحية للنصوص القرآنية والأحاديث في سياقات مغلقة، تدفع إلى تقهقر الفكر الديني واختزال الدين في رؤى تسجن زمن حاضرها في ماضيها. منه ما نجده في كثير من المواقع الإلكترونية والكتب التي تحدثّك عن عذاب القبر وقرب الساعة، ما يطلق قمقم الكآبة والإحباط.

وهذا يفسر إلى حد بعيد حالة الجمود والتشاؤم المستشرية، حيث تنبت أشواك الخوف في ذواتها من الآخرين، وتجعلها تعيش قلقا مستمرا في عملها وأكلها وملبسها.

الرهبة تصيب إحساس الذات في مقتل، حين ترى هذه الأخيرة قواعدها النرجسية تتحطم الواحدة تلو الأخرى، كما أنه بين الرهبة والإرهاب خيط رفيع، فالإرهاب لا يعدو أن يكون زيادة في درجات الترهيب الحادة الناجمة عن العنف المادي والرمزي ضد النفس أو ضد الآخرين بوعي أو بغير وعي.

باحث بمركز أنظمة الفكر المعاصر بجامعة السوربون

7