الإرهاب والسردين المعلب

الخميس 2015/04/09

أنا مكرم جندي صغير الحجم نحيف، ولكنّ أنفي كبير، كبير إلى درجة أنه يغطّي فمي الذي لا يتكلم عادة. أمي اسمها زينة لها وشم بربري مخضّر مرسوم بدقة فوق وجنتيها، لا أعرف دلالاته الرمزية طبعا ولا أهتم لأنه جميل وكفى.

أنفي هذا كبير ويزعجني، وعادة ما يقف الذباب فوقه ليتكاثر، كيف يتكاثر الذباب سؤال وجودي مثير للحيرة، المشكل أن الناس لا يفهمون أن الذباب لا حياة جنسية له وأنه لا يعرف الأهداف المقدسة للعاطفة الغريزية، لا يعرف كريشنا الإله الهندوسي وحكاياته الطريفة مع راعيات البقر، لا يعرف المهابهاراتا أطول قصيدة في العالم والمغامرات الحسية البهيمية التي مجّدتها في أبيات ضخمة.

أنا مكرم كنت أقرأ كثيرا وأهتم بعلم الفراسة، ولكن الفقر دفعني دفعا خفيفا للانقطاع عن التعليم والالتحاق، بشرف، بقوات الجيش الوطني لأحارب الإرهاب الوافد علينا ودحره في معاقله، هذا كلام كبير جدّا أيضا ولا أريد فهمه.

المهم أنني جندي صغير الحجم نحيف، والآن أنا موجود في مكان قصيّ، تحيط بي الأشجار ولا أرى من الدنيا غير اللون الأخضر، كل شيء أخضر هنا، الشاحنة خضراء، سلاحي أخضر، قبعتي خضراء وعلب السردين التي آكلها بنهم وحب شديد لونها أخضر أيضا.

ذات ليلة، تذكّرت وجه أمي وقريتي الصغيرة، كان جارنا سعيد طيّبا ولا ينهرني عندما أسرق حبات الجوز من شجرته الضخمة الوارفة، السرقة الصبيانية للثمار شيء جميل، وسرقة الكتب أجمل، لا أملك المال لتحصيل العلم، ولكني أملك عقلا كبيرا وخططا جهنمية لسرقة كتب ماركس وماكس فيبير والمعرّي وقيس النجلاوي، شاعر تونسي غير معروف أبدا، ولكن له قصيدة ذكية عن خصام الأطفال الذين يتصالحون بقطعة حلوى، لا أذكرها.

لم أنم جيّدا تلك الليلة، كنت متوترا حزينا، فكّرت بجدية في أحلامي، يا الله كان حلمي أن أصبح أمين مكتبة عمومية، أسكن في بيت ملكيته تعود لي، أتزوج من امرأة طيبة نسبيا، تجيد طبخ الكسكسي وتجادلني باستمرار في كل شيء حتى في ربطة حذائي. كان حلمي أن أنجب ثلاثة أطفال، واحد يعمل في النجارة وآخر في الحدادة وأخرى مدرّسة غريبة الطباع، أحلامي تبدو عادية ولكنني أحبها.

ذات صباح، خرجت مع مجموعة من الجنود الحالمين مثلي للقيام بعملية تمشيط، الموت ينتظرنا خلف الأشجار والأعشاب الطفيلية، وتحت الأحجار والحصى، لم نجد شيئا يستحقّ الذكر. وقت الغداء، افترقت عنهم لأقضي حاجتي، الطبيعة الجميلة هي مرحاضنا، نبول فوق شقائق النعمان الحمراء ونتغوّط فوق البكّ والتيفاف والبوحاليبا. ابتعدت عن أصدقائي الجنود أكثر، كنت أنظر باهتمام إلى الأرض، هناك جحر للنمل وحلزون يصارع الموت مثلنا، سمعت صوتا غريبا، التفت خلفي فإذا به رجل حليق يحمل سلاحا في يده، هو إرهابي.

الرجل الحليق قال لي حرفيا “يا طاغوت يا خادم النظام الجائر، ستموت الآن بإذن الله الواحد الجبار”، كلامه أضحكني، ربما خوفا من الموت أو خوفا من ترك أمي وحيدة، ضحكت، المهم ضحكت وكفى.

حاولت تذكّر ما جاء في كتاب “السياسة في علم الفراسة” للأنصاري، فتنبهت لشيء، الإرهابي وجهه دائري وفي علم الفراسة أصحاب الوجوه الدائرية نرجسيون وسُذّج وصبيانيون، هكذا بدا لي قاتلي.

الواضح أنني لم أكن أحمل سلاحا وقتها، وذلك خطأ فادح لا يليق بجندي شريف، ولكنه جاء في وقت الغداء هذا الحقير، ولم أكن أحمل معي سوى علبة سردين خضراء، لا يمكن أن أموت الآن وأنا جوعان، هذا السردين المعلّب النتن زادنا، نأكله مرات عدّة في الأسبوع لمكافحة الإرهاب.

طلبت منه أن أفتح علبة السردين قبل أن أنتقل إلى جوار الحوريات، يا الله حوريات في كل مكان، هل يُجدن طبخ الكسكسي مثل زوجتي المستقبلية الثرثارة؟ لا أعلم ذلك حقا.

دون أن يسجّل أي موقف معارض، وافق الإرهابي على طلبي شرط اقتسام علبة السردين، هو جائع مثلي أيضا. ألا يشبع الإرهابيون من الأكل؟ أليس لديهم من يطبخ لهم؟ ماذا يأكلون أساسا؟ لا وقت للأسئلة.

فتحت العلبة، أكلت منها أوّلا لأسباب أمنية بحتة، ثمّ أكل هو بيد واحدة، لأن الأخرى يحمل بها سلاحه المصوّب نحوي. المسكين شعر بآلام في معدته ربما وفي مفاصله وسقط على الأرض ومعه سلاحه، اقتربت منه لأسباب إنسانية بحتة، فاتّضح لي أنه مريض بالنقرس، ومرضى النقرس لا يأكلون السردين لأن فيه مادة البورين، والبورين هذا يؤدّي إلى ارتفاع حمض البول في الدم، المهم مات الإرهابي وبقيت أنا.

صحفية من تونس

16