الإرهاب والشعبوية يغذيان واقع "ما بعد العولمة"

موسم أصيلة الأربعون يناقش واقع العولمة في ظل صعود الأحزاب اليمينية المحافظة وتنامي الإرهاب وما تسوده العلاقات الدولية اليوم من حالة توتر وتصعيد قد تفجر نزاعا جديدا في أي لحظة.
الاثنين 2018/07/09
نقاش فكري يعالج واقع ما بعد العولمة

أصيلة (المغرب) – “ماذا بعد العولمة” سؤال طرحه منتدى موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته الأربعين، حيث ناقش سياسيون وخبراء وباحثون واقع ما بعد العولمة في ظل استشراء الشعبوية وتنامي الإرهاب وتواصل الحروب.

ورغم أن العولمة تراهن على أن العالم قرية صغيرة يسمح بالانفتاح بين الشعوب على مستويات عدة؛ ثقافية أو اقتصادية كتبادل رؤوس الأموال، والسلع، والخدمات عبر الحدود الوطنية، إلا أن الجزع من العولمة بعد أحداث إرهابية طالت الغرب وبروز ظاهرة المهاجرين، يبرر صعود أحزاب يمينية تقصي العولمة من حساباتها إلى السلطة، وهو ما أجمع عليه المشاركون في المنتدى.

وأقر المشاركون في جلسة نقاش خصصها المنتدى حول تحديات العولمة، أن العالم يعيش تحولات عميقة تقتضي تكاثف الجهود من أجل بناء عالم جديد يستجيب لتطلعات الإنسانية إلى تعايش سلمي حقيقي ولا يسمح بتمدد الفكر الانعزالي الذي يلاقي رواجا منذ تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة يناير 2017 والذي نجح في إقناع الأميركيين بنجاعة شعار “أميركا أولا” وأن سياسته سترتكز أساسا على العناية بمصالح المواطن الأميركي.

 

المشاركون في موسم أصيلة الأربعون يستنتجون أن العولمة اتخذت مسارا سلبيا بسبب عدم التكافؤ الاقتصادي والتكنولوجي بين العالم النامي والدول المصنعة. كما أن الإرهاب استطاع أن يوظفها لصالحه ويعتمدها كوسيلة لتهديد الأمن الدولي.

واعتبر محمد بنعيسى أمين عام منتدى أصيلة ووزير الثقافة والخارجية في المغرب سابقا أن العالم يجتاز الآن ومنذ الحرب العالمية الثانية أدق وأحرج فترة في التطورات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها جل الدول وكذلك على صعيد مسار العلاقات الثقافية الدولية، فقد باتت العولمة مؤثرة سلبا على المنظومات القيمية والهويات الوطنية. كما تتميز هذه المرحلة بنزوح كبير من بعض القادة السياسيين وحتى المفكرين في الغرب نحو شعبوية طالت نظما سياسية هنا وهناك.

وتابع “ربما نعيش مرحلة البحث عن عالم جديد مغاير يؤسس لمفهوم جديد للديمقراطية والتعاون والتعايش والسلم الدولي من أجل إبعاد أسباب القلق والخوف وعدم الاستقرار، هي مشاعر باتت مهيمنة على قطاعات كبيرة من الرأي العام في عدد من المجتمعات”.

 ويلفت سلمان خورشيد وزير الشؤون الخارجية والعدل سابقا بالهند، إلى القول إن العالم يشهد صداما للحضارات منذ أحداث 2001. وأوضح أن نهاية الحرب العالمية الأولى والثانية لم تنجح في استتباب السلم والاستقرار، حيث تواصلت النزاعات، وما تشهده المنطقة العربية خير دليل على ذلك.

ورأى خورشيد أن الإرهاب الذي يجري الحديث عنه اليوم بإسهاب ليس صراعا بين الحضارات بل هو صراع عدو محدود من الجماعات، كالصراع بين السنة والشيعة في العراق وسوريا، وقد نجحت التنظيمات المتطرفة في توظيف العولمة وما رافقها من تطور تكنولوجي في تهديد الأمن العالمي.

ويتسق رأي خورشيد مع رأي وزير الخارجية والتعاون الإسباني السابق ميغيل أنخيل موراتينوس الذي تحدث عن وجهة نظره حيال العولمة مشيرا إلى التفاؤل في نهاية الألفية الثانية، خاصة تجاه السلام في الشرق الأوسط، الذي كان أحد أركانه كوسيط أممي.

وتحدث عن “الطمأنينة من عدم حدوث تغيير جذري في العالم، حتى أن انهيار النظام الجيوسياسي الدولي عام 2001 ليس بسبب الاعتداء الإرهابي بل بسبب رد الفعل المبالغ فيه والخروج باستنتاج عام قلب العالم، وانهار نسق الأمن الدولي وانهارت المنظومة المالية. فبات الناس يشعرون بالخوف من المستقبل. وفي هذا السياق تطورت العولمة، التي كانت موجودة من قبل، واتخذت أبعادا مختلفة ولمسنا معها التطور العلمي والتقني”.

محمد بنحمو: تنظيم الدولة استفاد من العولمة لتنظيم عملياته على عدة مستويات
محمد بنحمو: تنظيم الدولة استفاد من العولمة لتنظيم عملياته على عدة مستويات

ودعا موراتينوس إلى التعايش ومعايشة الظروف الجديدة، لكنه كرر الحديث عن وجود قوة عظمى لا تزال لا يقدر أحد على تجاهل دورها وهي الولايات المتحدة التي دعا رئيسها آنذاك باراك أوباما إلى تعددية الأقطاب، في حين كشف عن صدمته من قول الرئيس الصيني عام 2017 في منتدى داوفوس حين كانت الدول تناقش مسألة تعددية الأطراف كبديل عن الطرف الواحد، “إن الصين تقود المجتمع الدولي بطريقة تراعي بها السلام”.

ودعا في ختام ورقته قائلا “لا نسمح للتكنولوجيا بالسيطرة علينا بل نستخدمها وسيلة لخدماتنا”.

فيما اعتبرت بينيتا فيريرو والدنر، وزيرة خارجية النمسا السابقة، أنه في ظل تكنولوجيات الإعلام الجديد ونشر المعلومات على الخط المباشر، أضحت العولمة تعاني تداعيات هذه التكنولوجيا ما تسبب في نشر الانعزالية وصعود الشعبوية وأضحى الخوف من تلك القيم هو الطاغي في العلاقات الخارجية.

ولأن العولمة قامت أساسا على التواصل العام والشامل، دعا الوزير المغربي السابق محمد الأشعري إلى ضرورة إيجاد حل للتطور التكنولوجي الخطير الذي سيقسم العالم في المستقبل إلى شق قوي يحتكر إنتاج الذكاء الاصطناعي وشق ضعيف يحرم من الاستفادة من التطورات التكنولوجية، متسائلا عن إمكانية نجاح العولمة في بناء مستقبل لشعوب تعاني من فوراق اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية عميقة.

وفي إطار القوى المستفادة من العولمة يشير محمد بنحمو إلى أن تنظيم الدولة استفاد أيضا من العولمة لتنظيم عملياته على عدة مستويات إعلامية ولوجستية وتقنية.

ولا يمكن التغلب على آفة الإرهاب دون توحيد الجهود، فالتطور التكنولوجي رافقه تطور في الأسلحة، كما يلفت خورشيد، وأن هناك مشاكل التعددية، مضيفا أن الهند كتجربة تعددية تجيب على سؤال التعايش، كونها لم تعاني مشاكل الهجرة ولم يكن هناك تصادم رغم التنوع الاثني والديني، فالهند كما يقول المتحدث تشكل مثلا جديرا بالتحليل من هذا المنطلق التعددي.

 فيما يعتقد بنحمو بأن الحروب ستستمر، وهي حروب غير متوازنة حتى القوى الإقليمية في مأزق ولا تتوصل إلى كيفية مواجهة مخلفات العولمة، مضيفا أنه من مفارقات المرحلة جديدة التي تشهد تواتر الأزمات الاقتصادية والسياسية أن العولمة غيرت قواعد اللعبة.

وقدم خورشيد بلده الهند كنموذج لتعدد الثقافات فيها التي لم تتأثر بالعولمة وبسعي أوروبا لاستقبال التدفقات الهجرية إليها. وتطرق إلى ثورة المعلومات التي جعلتنا نستقر في حيز محدود من الكون ونتواصل عبر الإنترنت.

لكنه تساءل هل نتواصل إنسانيا في هذا الحيز الافتراضي؟ وهل نستطيع أن نعولم التخاطب؟ وهل نستطيع أن نسقط الحواجز ونتواصل ونتعامل مع التحديات القائمة اليوم من قلة المياه والتغيير المناخي؟ وختم بأن الجنس البشري بات اليوم مهددا بالانقراض لولا العولمة.

7