الإرهاب والفضاء الإلكتروني

الأربعاء 2015/05/27

انتشار الظاهرة الداعشية وتمدد قواتها على الأرض، واكتساحها للمناطق والمدن باندفاع وعجلة، تثير الدهشة والعجب، والتساؤل “من أين تستمد هذه الحركة قوتها وجبروتها؟” وما هو سر جاذبيتها بانضمام أفراد وجماعات لها من بلدان ومجتمعات مختلفة وحتى غير إسلامية ولا عربية!

ولا يقتصر الاستغراب والتساؤل عن أسرار حصول داعش على المال والسلاح والمقاتلين، وإنما يتعداه إلى استثمار التنظيم للإعلام وللفضاء الإلكتروني بمهارة ومهنية قادرة على توصيل رسالتها إلى كل الاتجاهات واستقطاب أنصار ومقاتلين من حوالي 90 بلدا ينخرطون في صفوف التنظيم يتبنون أفكاره ويطيعون أوامره ويزاولون ممارساته.

وكما ينضم إلى صفوف الإرهاب المسلح المئات من “الجهاديين”، ينضم آخرون إلى الجماعات الإرهابية الإلكترونية (على الإنترنت) والتي تنمو بشكل متزايد وتشكل خطرا حقيقيا. وتقول تقديرات دولية إنه في العام 1995 كان هناك حوالي 100 موقع إلكتروني يدعم الإرهاب بأنواعه، زاد عددها في يومنا هذا إلى أكثر من 5000 موقع.

الإحساس بهذه المخاطر دفع منتدى دافوس الاقتصادي العالمي الذي انعقد قبل أيام على ضفاف البحر الميت بالأردن إلى عقد جلسة خاصة بعنوان “الإرهاب الإلكتروني في زمن المعلومات والتقنية ودور الحكومات والمنظمات الدولية في القضاء على الظاهرة”، وقد اعترف المجتمعون بأن نشاط داعش في مجال الفضاء الإلكتروني لا يقل جبروتا وتأثيرا وخطورة عن نشاطاته المسلحة على الأرض، حيث أجمع المتحدثون على أن محاربة عصابة داعش في الفضاء الإلكتروني تحتاج لتكاتف جهود القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني والاستفادة من خبرات الأمم المتحدة ذات العلاقة.

إن هذا اعتراف خطير بقوة الزحف الداعشي في مضمار الفضاء الإلكتروني، حيث يتطلب “تحالف دولي” لإيقافه، عسى أن يكون أكثر فعالية وتأثيرا من التحالف الدولي العسكري الحالي الذي يعلن عن قيامه بقصف جوي يومي ولا نرى له فعالية في إيقاف ولا حتى عرقلة تمدد داعش في ساحات المعارك! لقد اعترف رئيس لجنة مكافحة الإرهاب للأمم المتحدة جون لابورد بأن داعش يبث يوميا 40 ألف تغريدة على تويتر، ووصف بعض أنواع الهجمات الإرهابية بواسطة الإنترنت بـ”الجريمة المنظمة”.

تقول مصادر الإنتربول إن التطور العلمي والتكنولوجي أحد أهم العوامل الفاعلة في انتشار جرائم الإرهاب عبر الإنترنت، إرهاب جديد هو الإرهاب المعلوماتي ويتمثل في استخدام الموارد المعلوماتية، وأجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت، من أجل أغراض الإغراء والإغواء أو التخويف أو الإرغام لأهداف سياسية، ويمكن أن يتسبب الإرهاب المعلوماتي في إلحاق أضرار اقتصادية واسعة كالشلل في أنظمة السيطرة والاتصالات أو اختراق النظام المصرفي أو إرباك حركة الطيران المدني…إلخ.

ولا يقتصر النشاط الإرهابي الإلكتروني على المواقع الرسمية للجماعات الإرهابية المتواجدة أصلا على الأرض ولها تنظيمات مسلحة ونشطة، وإنما يمتد إلى المئات من المواقع الإلكترونية “التطوعية” التي يطلقها شباب تبنوا الفكر التكفيري وانضموا إلى نشاطه عبر الفضاء ما داموا لا يستطيعون الانضمام إلى نشاطه المسلح، فصاروا يروّجون له في شتى أنواع العالم .

إنّ الإرهابيين وأنصارهم يلجؤون إلى الإنترنت لأنّها وسيلة غير مكلفة ولا يمكن مقاومتها ولا القبض على متعاطيها، ويرى الشيخ د.عيسى الغيث، عضو مجلس الشورى السعودي، أن خطورتها تكمن في سهولة استخدامها وكونها وسيلة تواصل نستخدمها جميعا وهم يستفيدون من هذه المعطيات الجديدة عبر الإعلام الجديد أكثر من استفادتنا منها.

لقد اتفق المشاركون في مؤتمر دافوس على ضرورة عدم إهمال التأثير الذي يحققه داعش باستعمال المعلومة وتحويلها إلى سلاح من خلال الفضاء الإلكتروني لاستقطاب وتجنيد منتسبين جدد ونشر خطاب الكراهية، والحض على العنف ونشر وعود ومغريات مادية ومعنوية مستغلين الإحساس بالظلم والعوز والحرمان والتهميش لفئات واسعة من الشباب إضافة إلى تحريك الوازع الديني أو المذهبي والطائفي بتغليفها بأمور دينية أو عقائدية لإغواء الشباب، ويذكر عن الفيلسوف العربي ابن رشد قوله في هذا المضمار “إذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تُغلّف كل باطل بغلاف ديني”.
18