الإرهاب والكتاب

الجمعة 2013/10/25
المواطن التونسي تزداد علاقته بالكتاب برودا وجفاء

تونس ـ اليوم، الجمعة 25 أكتوبر تنطلق بقصر المؤتمرات بالكرم (الضاحية الشمالية لتونس العاصمة) الدورة الثلاثون لمعرض تونس الدولي للكتاب، وسط وضع ثقافيّ واجتماعي وسياسيّ هشّ تعمّه الفوضى ويحكمه الخوف من تنامي ضربات الجماعات الإرهابية التي أوقعت منذ ثلاثة أيام سبعة شهداء من أعوان الأمن التونسي.

ووفقا لآراء كثير من أهل الفكر والثقافة في تونس، فإنّ هذه الدورة لن تأتي بجديد، ولن يكون حالها أفضل من حال الدورة المنصرمة، بل ربّما سيشهد الكتاب فيها انتكاسة لا مثيل لها من جهة أنّ المواطن التونسيّ صار مأزوما من تردّي أحواله، وخائفا من مآله، في ظلّ تعطّل الحوار الوطني بين حركة النهضة الحاكمة وطيف المعارضة السياسية، ولم يعد يعنيه من يومه سوى لقمة العيش والاحتماء بالبيت من كلّ مفاجآت بلاد "ثورة الياسمين". وعليه، ستزداد علاقته بالكتاب برودا وجفاء، وإن تجرّأ على زيارة معرض الكتاب، فإنه سيُصدم بما سيرى من مجلّدات تدعو إلى الآخرة، وأخرى تهوّل من عذاب القبر، وثالثة تفسّر النكاح في المنام، ورابعة توصّف إبليس. هذا، إلى جانب وجود شباب بلحى طويلة ينفخون في مجامرهم ليفوح منها بخور أصفر كبخور الموتى، عارضين على الزوّار قوارير عطور فيها تنصيص على قدرتها على تحقيق الإثارة وبلوغ الباه. هذا مع تحوّل بعض أركان المعرض إلى محلات لبيع "السندويتشات" والأكلات السريعة.

لا شكّ في أنّ بلادا هذا شأن معارض كتبها ستفتح الباب لشبابها لنبذ المعرفة والفكر الحرّ المتنوّر والارتماء، بتحريض من الخطابات الأصولية، بين احضان الجماعات المتطرّفة التي تستثمر قلّة وعي الناس لتستحلب عقولهم وتغسل أدمغتهم وتزجّ بهم في ميادين حروب وعمليات تقتيل وحشية لصالح أجندات لا تخدم الشعب التونسيّ وإنّما تعرقل مسيرته في النهوض الحضاري.

تنطلق الدورة الثلاثون لمعرض الكتاب الدولي بتونس، والتي تتواصل إلى غاية 3 نوفمبر- تشرين الثاني القادم بمشاركة 23 دولة و40 عارضا، وبحضور دولة السينغال بوصفها ضيف الشرف.

ظروف غير عادية تحيط بهذه الدورة، وصورتها هذا المناخ العام المشحون بالتجاذبات والتفكك والانقسامات السياسية الذي ينبئ بفشل ذريع لهذه الدورة الجديدة من معرض الكتاب مثلما لفّ الدورة السابقة التي خذلت الزائرين والمتعطشين لبعض الهواء النقيّ من المعارف والثقافة والحقّ في الحياة داخل جوّ مجتمعي مشحون بالتحذيرات من عذاب القبر وهول يوم القيامة، وتهديد حياة المبدعين والكتاب والمفكّرين على غرار الباحثة ألفة يوسف والشاعر أولاد أحمد وغيرهما.

ولا يخفى على متتبّع حركة المشهد الثقافي في تونس أنه شهد منذ ما يزيد عن سنتيْن تراجعا ملحوظا بسبب الشلليّة التي تحكم علائق الفاعلين الثقافيين، حيث تواصل فعل تغييب كثير من الكتّاب عن أنشطة وزارة الثقافة والاكتفاء بأسماء معيّنة، لا يعني أصحابها من الثقافة إلا ما يخدم مصالحهم ويحقٌق لهم امتيازات هم في الأصل غير جديرين بها إبداعيا. إذ كثرة كثيرة من الملتقيات الثقافية المحلية والعربية والدولية صارت شبيهة بولائم خاصة بوزارة الثقافة توجّه فيها الدعوة لمن تشاء وتخفي أخبارها عمّن تشاء، ما جعلها تتحوّل إلى وكالة للأسفار المجّانية. والغريب في الأمر أن هذه الوزارة، التي من المفروض أن تعي بدورها الحضاريّ في تنشيط الفكر والدعوة إلى التنوير، قد وقفت في حالات عديدة مع الذين انتهكوا حرمة الثقافة من الظلاميين وأتباع الفكر الأصولي.

وهو أمر يدعونا إلى التساؤل: هل يستحي الإرهاب لتصفو أجواء هذه الدورة من معرض الكتاب؟ وهل ستوفّق الوزارة في اختيار الكتب الداعية إلى التحرر من قيود الجهل، وتمكين الناس من معارف تحترم منظومة القيم العامة واختلاف الأفكار وحقّ المواطن في كتاب لا يُخيفه من الآخرة بل يرغّبه في عيش حياته الدنيا وفق ما يراه مناسبا له؟ الأسئلة كثيرة ونحن نتمنّى أن تكذّب وزارة الثقافة تصوّراتنا وتجعلنا نبحث في معرض كتابها عن رائحة الحبر الحقيقيّ التي افتقدناها طويلا.

14