الإرهاب والهجرة يضغطان في اتجاه إنهاء منطقة شنغن

دفعت الاعتداءات الإرهابية الأخيرة في أوروبا وتفاقم أزمة اللجوء عددا من البلدان الأوروبية إلى فرض ضوابط جديدة على الحدود، ما يهدد حرية التنقل داخل منطقة شنغن، ويستثمر اليمين المتطرف في هذه الظواهر لزيادة الضغط على الحكومات الأوروبية لأجل الاتجاه نحو سياسات أكثر انعزالية.
الجمعة 2017/01/13
هل ينتهي أحد أكبر الإنجازات

باريس - باتت فكرة إغلاق فضاء شنغن في المدة الأخيرة تلقى قبولا متزايدا في المجتمعات الأوروبية أكثر من أي وقت مضى، خاصة على وقع الضربات الإرهابية التي استهدفت أكثر من عاصمة غربية والتدفق غير المسبوق للاجئين بسبب اتساع دائرة بؤر التوتر والحروب في العالم.

ويلقي زعماء أوروبيون مناهضون للاتحاد الأوروبي كمؤسسة باللائمة على سياسة الحدود المفتوحة في أوروبا التي سمحت حسب رأيهم بوقوع عدد من الضربات الإرهابية وأبرزها اعتداءات بروكسل وباريس وبرلين.

وتضم منطقة شنغن حاليا 26 بلدا، بينها 22 بلدا أعضاء في الاتحاد الأوروبي وأربع دول غير أعضاء هي أيسلندا وليشتنشتاين والنرويج وسويسرا.

ولا تتعلق الحدود في هذه المنطقة بأكثر من لافتات بسيطة على حافة الطريق يمر عليها سائقو السيارات، حتى دون أن يلاحظوها عادة.

غير أنهم لا يدركون في الوقت ذاته أنهم عبروا حدودا دولية، إلى داخل فرنسا أو بولندا أو لوكسمبورغ، أو إحدى الدول الأخرى الـ26 الأطراف في اتفاقية شنغن.

وينصح مفوض الشؤون الداخلية والهجرة والمواطنة في المفوضية الأوروبية، ديميتريس أفراموبولوس، مواطني الاتحاد الأوروبي بـ”التمتع بهذا الحق والتشبث به”.

وأضاف “اِركب القطار أو السيارة وزر جيرانك، كل هذا ممكن دون التفكير في مسألة الحدود”.

ولكن بعد التطورات الأخيرة شرع عدد من الدول، بما في ذلك ألمانيا وخمس دول أوروبية أخرى، في فرض ضوابط، على الأقل عند بعض القطاعات من حدودها الوطنية.

وشدد وزير الداخلية الألماني توماس دس ميزير على أن الإجراءات التي تتخذها بلاده ودول أخرى في إطار مكافحة الإرهاب لا تعني نهاية اتفاقية شنغن.

وأكد دي ميزير أن تعزيز الرقابة على الحدود مع النمسا لا يشكك في الحدود المفتوحة داخل منطقة شنغن.

وقال الوزير الألماني “إن المراقبة الحالية على الحدود لا تعني نهاية شنغن”، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن تبقى هذه الرقابة، طالما هناك ضرورة لذلك.

توماس دي ميزير: لا بد من العودة إلى أوروبا مفتوحة، لكن مع اتباع سياسة لجوء مشتركة

وقال دي ميزير إنه يسعى للعودة إلى أوروبا مفتوحة، ولكنه أشار إلى أن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو اتباع سياسة لجوء أوروبية مشتركة وتحسين الحماية على الحدود الخارجية لأوروبا.

وباستثناء فرنسا التي تتذرع بالمخاوف الأمنية من الإرهاب، فإن كل الدول الأخرى تتذرع بأزمة اللاجئين للعودة إلى تطبيق الضوابط عند الحدود.

وتطرح هذه الإجراءات أسئلة حول جدوى الاستراتيجيات الأوروبية في مواجهة أزمة الهجرة في شمال القارة.

وسارع الاتحاد الأوروبي إلى الإجابة عن هذا السؤال، محذرا من أنه إذا تم إلغاء الضوابط فإن المهاجرين يمكن أن يبدأوا في التدفق مرة أخرى إلى بقية أوروبا انطلاقا من اليونان.

وتقول مونيكا إيجموللر، من جامعة أوروبا في مدينة فلينسبورغ الألمانية، القريبة من الحدود مع الدنمارك “هذه سياسة رمزية”.

وتضيف “إن ما لدينا الآن ليس ضوابط شاملة، ولكن هذا يعني أن الدولة تبعث برسالة مفادها: إننا لم نتخل تماما عن سيادتنا”.

وتتابع إيجموللر قائلة إن الدوائر السياسية تستجيب لانعدام الأمن المتزايد بالنسبة إلى الناخبين، وللقوة الصاعدة التي باتت تتمتع بها الأحزاب اليمينية التي تستغل تخوّف الناس من الإرهاب والهجرة.

وتؤكد إيجموللر أن تطبيق الضوابط الجديدة على أرض الواقع، قضية أخرى تماما.

وتقول إيجموللر، التي تقطن بالقرب من الحدود الألمانية الدنماركية، حيث من المفترض أن يتم تطبيق الضوابط، إنها لم تلحظ أي تغييرات حقيقة على الأرض.

وتضيف”هنا، تعبر جسرا صغيرا، ثم تجد نفسك في الدنمارك. أحيانا، كل يومين أو نحو ذلك، يأتي شرطي، في إجراء رمزي، للحراسة ربما لمدة ساعة، ويشاهد البط”.

غير أن الأجهزة الأمنية الأوروبية تؤكد أن الحدود أصبحت ،على نحو بطيء ولكن مؤكد، أكثر إحكاما داخل منطقة شنغن. ورغم أن المراقبة غير ملحوظة فإنه يتم جمع البيانات.

وبدأت بلجيكا تُخزّن معلومات عن ركاب يقومون برحلات دولية، ليس فقط بالطائرات ولكن أيضا بالقطارات والحافلات والسفن.

وتأمل بلجيكا في أن يساعد تخزين تلك المعلومات في مكافحة الإرهاب.

وربما يحتاج المسافرون من دول البلقان غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والذين يمكنهم حاليا السفر إلى أوروبا بدون الحاجة إلى تأشيرة دخول، في المستقبل إلى الحصول على تأشيرة، إذا قررت المفوضية الأوروبية ذلك.

وقال مفوض الأمن بالاتحاد الأوروبي جوليان كينج مؤخرا، في سياق الإعلان عن خطة أطلق عليها اسم نظام معلومات السفر والترخيص الأوروبي “الإرهابيون والمجرمون لا يكترثون كثيراً بالحدود الوطنية. والطريقة الوحيدة لهزيمتهم تتمثل في العمل سويا على نحو فعال”.

وسوف يتطلب هذا النظام أن يقوم المسافرون بملء طلب عبر الإنترنت يتضمن بيانات أساسية مثل معلومات عن هوياتهم ووثائقهم الخاصة بالسفر ومحال إقامتهم والتفاصيل الخاصة بكيفية الاتصال بهم.

ولكن حتى مواطنو الاتحاد الأوروبي يتعين عليهم أن يعتادوا على احتمال خضوعهم للتدقيق للتحقق من هوياتهم عند دخولهم الاتحاد الأوروبي أو مغادرتهم للتكتل.

ويدافع ديفيد ميللر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوكسفورد، عن الضوابط الجديدة على الحدود، بوصفها مؤشرا واضحا على ممارسة الدول لسيادتها.

ويقول ميللر “فقدان السيطرة على الحدود شيء محبط إذ شاهدنا على شاشات التلفزيون أشخاصا يأتون ويقتحمون الحدود أو يقفزون لركوب الشاحنات أو يأتون على متن القوارب .هذا مؤشر واضح للغاية على القدرة المحدودة للدول بشأن السيطرة على حدودها”.

5