الإرهاب ورقة انتخابية تدعم صعود اليمين الفرنسي المتطرف

الأربعاء 2015/03/25
تبعات حادثة شارلي إيبدو التي ترجمت انتخابيا بصعود اليمين المتطرف تزيد من مخاوف الجالية المسلمة في فرنسا

على الطرف النقيض من اليونان وأسبانيا، يكتسح اليمين واليمين المتطرّف صناديق الاقتراع في الاستحقاقات الانتخابية الفرنسية، حيث حلّ حزب الاتحاد من أجل الحركة الشعبية (حزب ساركوزي) في المرتبة الأولى ضمن الدورة الأولى من انتخابات مجالس الأقاليم، متقدما على الجبهة الوطنية – أقصى اليمين- التي باتت الرقم الصعب في المشهد السياسي الفرنسي في ظلّ تدهور بنيوي وأزمة حكم يمرّ بهما اليسار والاشتراكيون، وسط تنامي الخطر الإرهابي في العالم.

أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية، الاثنين الماضي، عن النتائج غير النهائية للانتخابات الإقليمية حيث يتصدر حزب “الاتحاد من أجل حركة شعبية”، الذي يتزعّمه نيكولا ساركوزي، المرتبة الأولى بنسبة 30.32 بالمئة من الأصوات وحصلت الجبهة الوطنية (يمين متطرف) على نسبة 25.97 بالمئة، وحاز الحزب الاشتراكي وحلفاؤه اليساريون على 21.31 بالمئة.

وبهذه النتائج يكون اليمين المتطرف الفرنسي قد أتى على ثلاثة استحقاقات انتخابية وهي البلدية الفرنسية (في مارس 2014) والبرلمانية الأوروبية (في ماي 2014)، قبل أن تختتم نتائج التصويت في استحقاق الأقاليم الفرنسية بتقدمّ النزعة اليمينية المحافظة، مستغلا المزاج الانتخابي العام الذي بدا رافضا للسياسات التي تتبعها الحكومة في مواجهة الإرهاب والتطرف اللذين يلقيان بظلالهما على فرنسا وأوروبا عموما، على حساب اليسار الذي لا بدّ له من قراءة عميقة ومراجعة نقدية لمسار ومسيرة حكمه في الإيليزيه وأدائه تحت قبة البرلمان ومجلس الشيوخ الذي فقد فيه الأغلبية النيابية لصالح اليمين الساركوزي.

صعود اليمين المتطرف

تختلف القراءات السياسية لآنية انتخابات الأقاليم في فرنسا بين 3 أنظمة تفسيرية على الأقل.

نظام تفسيري أوّل يلخّص المشهد على أنّه انتصار لليمين الفرنسي يعيد الأمور إلى موضعها الأصلي، حيث أنّ الجمهورية السادسة تأسست وفق النفس الديغولي – نسبة للزعيم الفرنسي شارل ديغول- وخلال عقدين من الزمن على الأقل سيطر اليمين على مقاليد السلطة التنفيذية والتشريعية في الإيليزيه وتحت قبة البرلمان، قبل وصول فرانسوا هولاند إلى كرسي الإيليزيه في 2012.

معارضة التدخل الفرنسي في سوريا وليبيا وظفته لوبان ضد حكومة هولاند خلال حربها الأخيرة على الإرهاب في فرنسا

النظام التفسيري الثاني يقارب الانتخابات من زاوية سياق الهزائم المتتالية لليسار في كافة الاستحقاقات الانتخابية التي أعقبت الاستحقاق الرئاسي ما عدى – الانتخابات البرلمانية 2012- معتبرا أن الناخب الفرنسي يعاقب في كلّ فرصة تصويتية اليسار – ممثلا في الحزب الاشتراكي- الذي وعده بإنعاش الاقتصاد وبتقليص البطالة، فإذ بنسبة النمو التي أكد فرانسوا هولاند أنّها سترتفع إلى 2 بالمئة تتدهور إلى 0.1 و0.2 بالمئة خلال الأشهر الأولى من حكم هولاند الذي بات اليوم أسير وعود انتخابية عجز عن تأمين الحدّ الأدنى منها.

أمّا النظام التفسيري الثالث فيحلّل نتائج الانتخابات من زاوية صعود اليمين المتطرف الملحوظ في فرنسا وتحوّل “الجبهة الوطنية” إلى رقم صعب في المشهد السياسي المحلي والقارّي بعد أن اكتسح الانتخابات البرلمانية الأوروبية بنسبة 25 بالمئة من الخزان الانتخابي الفرنسي متقدما على اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي.

والحقيقة أنّ بيت القصيد في استحقاق الأقاليم الفرنسية كامن في الصعود الملحوظ لليمين المتطرف ليس من بوابة أنّ جزءا معتبرا من السلطة التنفيذية والتشريعية المحلية باتت بيد “حماة” الهوية الفرنسية الخالصة والمتباينة حدّ التناقض مع الهويات الوافدة وإنّما لأنّ تداعيات هذا الحدث ستتنزّل وستؤثر في سياق الانتخابات الرئاسية في 2017 وقد تفضي إلى إحكام “الجبهة الوطنية” لقبضتها على كافة السلطات التنفيذية والتشريعية في فرنسا، وهو ما أكدته زعيمة الجبهة مارين لوبان بقولها إنّ الطريق اليوم بات سالكا أمام حزبها للوصول من “المناطق” إلى “الإيليزيه”.

وعلى الرغم من عدم حصول الجبهة الوطنية على المرتبة الأولى كما كانت تبشّر بذلك مراكز استطلاعات الرأي في فرنسا، إلا أنّ تحوّلها من فضاء المزايدة السياسية على الأحزاب الكلاسيكية الكبرى إلى كينونة “الرقم الصعب” في المشهدية السياسية الفرنسية وتحديها للأحزاب التاريخية، غيّرا من طبيعة التحديات والأولويات الثقافية والسياسية والاستراتيجية الفرنسية.

مارين لوبان: الطريق اليوم بات سالكا أمام حزبها للوصول من المناطق إلى الإيليزيه

"موت" الوسط الفرنسي

الغريب أنّ بعض الإعلام العربي قرأ نتائج الاستحقاق “الأقاليمي” على أنها خسارة فادحة لليمين المتطرّف الفرنسي في حين أنّ القراءة الصحيحة للحدث لا تتأسس على المعطيات الرقمية فقط وإنما تبنى وفق توازنات القوى السياسية في المشهد الفرنسي الذي يبدو أنّ اليمين المتطرف بات واحدا من أضلعه الثلاث.

ذلك أنّ الانتخابات الفرنسية الأخيرة أباحت عن وجود هوّة سياسية تتمثل في شبه انعدام لتيار الوسط بعد أن تمخّضت الانتخابات الرئاسية في 2007 عن تشكّل حزب وسط واسع بعنوان “مودم” وعن ظهور مرشح للوسط وهو فرانسوا بيرو تمكن من الحصول على المرتبة الثالثة في السباق الرئاسي بين سيغولين رويال ونيكولا ساركوزي وتحوّل بمقتضى الواقعية السياسية إلى “بيضة القبان” بين اليسار واليمين.

انتخابات الأقاليم كشفت بالكامل عن خروج الوسط من اللعبة السياسية والانتخابية الفرنسية وعن افتقاد المشهد السياسي الفرنسي لقوى التعديل والاعتدال بين اليسار واليمين الكلاسيكيين في مقابل استقطاب فكري وأيديولوجي بين الجناحين اليميني واليساري زادت الجبهة الوطنية من حدّته. وهي مقدّمة قد تدفع المتابعين إلى استشراف سباق رئاسي في 2017 شبيه إلى حدّ التطابق بسيناريو 2002 بين جون ماري لوبان وجاك شيراك.

إضافة إلى خروج “الوسط” الفرنسي من توازن القوى، كشفت انتخابات الأقاليم عن مزاج انتخابي فرنسي نحو تبني الحلول الراديكالية التي يعتمدها اليميني المتطرف حيال قضايا “الإسلام المهاجر” و”العضوية في الاتحاد الأوروبي”.

يؤكد المتابعون للشأن الفرنسي خاصة والأوروبي بشكل عامّ أنّ حادثة “شارلي إيبدو” ألقت بظلالها على المزاج الانتخابي من حيث ذهبت أصوات المقترعين للأطراف الراديكالية في محاربة الإرهاب والقضاء على مقدماته.

إذ عمدت الجبهة الوطنية، بدءا من الانتخابات البلدية، ومن الدوائر التي سيطرت عليها، على تنفيذ مخطّط كامل للتضييق على الفضاء المسجدي الفرنسي. ويقوم المخطّط على عدم منح التراخيص لبناء مساجد جديدة، إضافة إلى تركيزها التام على وضع حدّ لتدفق المهاجرين على فرنسا، وإشادتها بالنموذج السويسري الذي صوّت في استفتاء عام ضدّ الهجرة الجماعية.

ويؤكد الدارسون لظاهرة الجهاد الأوروبي أنّ الجبهة الوطنية استفادت جيدا من انخراط اليمين واليسار في مشهدية الحرب في سوريا وليبيا بطريقة ربطت عبرها الجبهة الوطنية بين السياسة الفرنسية الرسمية حيال النظامين السوري والليبي وتطوّر ظاهرة الجهاد الفرنسي في سوريا وليبيا.

انتخابات الأقاليم كشفت بالكامل عن خروج الوسط من اللعبة السياسية والانتخابية الفرنسية

الحرب على الإرهاب

هنا، نذكر الدعوات التي أصدرتها مارين لوبان للحكومة الفرنسية بضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع “قطر الداعمة للإرهاب وللجماعات التكفيرية في سوريا وليبيا”، إضافة إلى اتهامها للدوحة بـ”دعم التشدد الإسلامي في فرنسا” في إشارة ذكية منها إلى العلاقة القائمة بين الإيليزيه والدوحة وتنسيقهما المستمر لدعم قوى المعارضة في سوريا وليبيا والتي سرعان ما تحول أغلبها إلى قوى تكفيرية سلفية تهدد منطقة الشرق الأوسط أولا وأوروبا ثانيا.

معارضة التدخل الفرنسي في سوريا وليبيا وظفته لوبان ضدّ حكومة هولاند خلال حرب الأخيرة على الإرهاب في فرنسا، حيث وجهت لها اتهامات بعدم محاربة الإسلام الراديكالي بشكل حازم وجازم.

وبالتوازي مع الأسباب السابقة ترجع بعض القراءات السياسية النتائج إلى “المقاطعة” الواسعة التي أبدتها شرائح واسعة من الفرنسيين حيال الاستحقاق الانتخابي، الأمر الذي صيّر السلوك الاقتراعي من “تصويت” واع وفق البرامج المطروحة إلى “تصويت” عقابي وفق البرامج المعلقة والمعطلة، فيما اختارت أطياف واسعة من الأصوات المقاطعة كتعبير سياسي عن فقدان الثقة بالطبقة السياسية. إذ عنونت صحيفة “لوموند” الفرنسية عددها الصادر الاثنين “البحث عن المقترع المفقود” ونشرت تحقيقا لـ”فلورانس أوبونا” عن أولئك الفرنسيين الذين فقدوا الثقة في السياسة والسياسيين.

أسدل الستار عن الجولة الأولى من انتخابات الأقاليم الفرنسية بتقدم كاسح لليمين واليمين المتطرف مقابل تأخر مخيف لليسار، وفي انتظار الجولة الثانية، التي ستجرى في الـ29 من مارس المقبل، لانتخاب 4108 مستشارين يتولون تسيير الشؤون المحلية عبر 2054 مجلسا إقليميا، ولا يبدو أن هناك أي مؤشرات تحول دون إحكام اليمين واليمين المتطرف قبضتيهما على المجالس المحلية طالما أن اليسار محاصر بأوهام الأيديولوجيا وأوحال السلطة والحكم.

6