الإرهاب يافطة للتدخل المصلحي في ليبيا

الخميس 2016/02/18

جاء إعلان تشكيل حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في الوقت بدل الضائع مغايرا تماما لكل التوقعات، فالخلافات بين الجماعات الليبية المتناحرة عميقة إلى حد السويعات الأخيرة من انتهاء المدة الزمنية المحددة، كما تمس مسائل جوهرية يصعب الفصل فيها في ذلك الوقت الوجيز.

فالغرب الذي اتخذ قرار التدخل العسكري في ليبيا تحت يافطة الحد من تصاعد نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية لم يتخذ موقع المتفرج من هذه المهاترات السياسية بين الأطراف الليبية، ومارس ضغوطه في اتجاه التسريع بتشكيل حكومة وفاق ليس بالضرورة أن تمثل جميع الليبيين وتتماشى مع تطلعاتهم، وإنما من أجل إضفاء غطاء الشرعية على العمليات العسكرية المزمع تنفيذها.

لا يختلف اثنان على أن قرار التدخل لم يكن من أجل استقرار ليبيا الغارقة في الفوضى منذ الإطاحة بالنظام السابق، وإنما من أجل إحكام السيطرة على المنشآت النفطية القريبة من المصافي الأوروبية، خصوصا وأنها بدأت تُسيل لعاب الميليشيات الليبية المتناحرة وتنظيم داعش الذي يبحث عن مصادر تمويل جديدة بعد تضييق الخناق عليه في العراق وسوريا.

داعش لا يمثل وحده الخطر الحقيقي الذي يتربص باستقرار ليبيا في ظل وجود ميليشيات مسلحة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين تسعى للسيطرة على مقاليد السلطة في البلاد بشتى السبل، وتجر ليبيا إلى حرب أهلية ستأتي على الأخضر واليابس، إلا أن عيون الغرب لا ترى سوى هذا التنظيم الصاعد والمثير للجدل، وهو ما يميط اللثام عن الأهداف الحقيقية للغرب من وراء هذا التدخل العسكري.

فانتقال القيادة المركزية لداعش إلى ليبيا يمثل صفارة إنذار بالنسبة إلى البلدان الأوروبية نظرا إلى أن القاعدة الجديدة التي تقع على مشارف البحر الأبيض المتوسط ستسهّل على التنظيم تنفيذ عمليات إرهابية في عمق القارة العجوز ومماثلة لتلك الهجمات التي استهدفت باريس في دمويتها.

فحتى وإن فصّلنا التدخل من وجهة نظر من له مصلحة في ذلك، فخطر داعش لن يزول بقصف مواقع تابعة للتنظيم وعمليات إنزال محدودة في مناطق بعينها، فالوضع الأمني في البلاد لا يسمح، في ظل غياب سلطات مركزية قوية قادرة، على السيطرة على كل شبر داخل البلاد. إضافة إلى تضارب مصالح الميليشيات المسلحة، فأي تدخل سيعمّق من الخلافات ويطيل أمد الأزمة التي تعصف بوحدة الليبيين.

كما أن التجارب السابقة في المنطقة كافية للتأكيد على عقم الخيار العسكري، فالعمليات التي قادتها فرنسا شمال مالي على خلفية تعاظم نفوذ القاعدة لم تجهز كليا على التنظيم الذي خيّر التقهقر للاحتماء من القصف الفرنسي إلى المناطق الجبلية، لذلك فإن التدخل العسكري المزمع شنه على داعش سيجبر التنظيم على ترك قواعده الحالية والتوجه نحو بلدان جنوب ليبيا التي تعاني بدورها من تعاظم نفوذ الجماعات الجهادية التي أعلنت عن ولائها لزعيم “الدولة الإسلامية”، ولذلك فلن تدخّر جهدا في دعم التنظيم الأم، ومساعدته على تأمين هروب قياداته إلى بلدان تفتقر إلى قدرات أمنية وعسكرية مثل نيجيريا ومالي والصومال وتقف عاجزة أمام جماعات أقل عددا وعتادا.

لا يخفى عن الغرب أن التدخل العسكري ستكون له مثل هذه التداعيات الكارثية على بلدان جنوب الصحراء التي سيقدمها على طبق من ذهب لداعش، لكن الأهم بالنسبة إليه ضمان ضخ النفط الليبي إلى المصافي الأوروبية وإبعاد خطر داعش الذي بات على مشارف بلدان شمال البحر الأبيض المتوسط.

الغرب في مقاربته للأزمة الليبية اعتمد على أنصاف حلول تخدم مصالحه الضيقة، فلو تدخلت البلدان الأوروبية المعنية أكثر من غيرها في الشأن الليبي منذ الإطاحة بالنظام السابق وعملت على تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين ونزعت سلاح الميليشيات المتناحرة، لما استغل تنظيم “الدولة الإسلامية” الفوضى الأمنية بالبلاد واتخذ منها مركزا قياديا لكل عملياته، ولما لجأ الغرب إلى تدخل عسكري من المنتظر أن تكون له تداعيات وخيمة على مصير المنطقة برمتها.

صحافي تونسي

9