الإرهاب يتغذى من عدم اندماج المسلمين في الغرب

الاثنين 2017/09/25
ذئاب منفردة

لندن - أكثر ما يزعج جماعات الإخوان وغيرها من جيوب الإسلام السياسي الناشطة، والكامنة أيضا، في الغرب، هو التقارير والمؤشرات المتحدثة عن تنامي وتحسن وتيرة اندماج المسلمين في أوروبا، ذلك أنهم يفقدون بذلك ثمارا كانوا ينتظرون قطافها وضمها إلى سلال التطرف وإلحاقها بمخازن الإرهاب وجيوشه الاحتياطية.

بالمقابل، وكلما أطلق اليمين الأوروبي صرخات الفزع والتحذير من استحالة إدماج المسلمين في المجتمعات الغربية، تلقفها الإسلام السياسي بالمزيد من الابتهاج والتهليل لأنها تقيم الحجة على كراهية الغرب الكافر للإسلام والمسلمين، وتعزز من ضرورة تبني خيار الجهاد كحل وحيد ومقدس يوطد الإسلام في نظره ويجعله يسود وينتصر في ديار الكفار.

ولكي لا يقع المتابع للأحداث وما يرافقها من استطلاعات الرأي في السفسطة القائلة بأيهما البادئ بالكراهية وعدم القبول: اليمين الأوروبي أم التطرف الإسلامي؟ ثم نقيس ونحكم وفق مبدأ “البادئ أظلم”، فإن الحقيقة والواقع أن كل طرف يعطي الذريعة للآخر بتشهير خطاب الكراهية وتشريع العنف، فكأن اتفاقا ضمنيا ومبرما يجمع غلاة التشدد اليميني مع قادة التطرف الإسلامي هدفه تفريخ الأحقاد وتوريثها جيلا بعد جيل.

ثمة أمور مفصلية ينبغي التوقف عندها في مسألة الاندماج كمفهوم مطاط، يأخذ أحيانا كثيرة تعريفات هلامية يحاول كل طرف أن يسحبها إلى صالحه، وتختلف من بلد أوروبي إلى آخر ومن جالية مسلمة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، وهو أمر تحاول جماعات الإخوان التي تدعي الاعتدال استثماره لصالحها ولا بد له من دراسة تخصصية تبتعد عن التعميم والأحكام المسبقة والحاسمة.

فلقد سبق لمعهد بيرتلسمان ستيفتانغ الألماني أن نشر نتائج دراسة أجراها في خمس دول أوروبية حول اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية. التقرير الذي جاء تحت عنوان “المسلمون في أوروبا: اندماج ولكن دون قبول مجتمعي؟” حمل العديد من الرسائل حول اندماج مسلمي أوروبا والعقبات التي يواجهونها.

وأثيرت نقاشات حول اندماج المسلمين من حيث إتقانهم للغة بلد المهجر وممارسة شعائرهم الدينية مثل الصلاة وارتداء الحجاب وصوم رمضان.

ولطالما شكك اليمين في ملاءمة الإسلام مع الديمقراطية في المجتمعات الغربية، لكن دولا أوروبية مثل المملكة المتحدة نجحت في الفصل بين المظهر الديني والحياة العملية، حيث يسمح على سبيل المثال للشرطيات المسلمات بارتداء الحجاب أثناء العمل، وهو ما عزز من اندماجهم في الحياة العملية وسط تكافؤ كبير في الفرص بين الجميع، إلاّ أن مراقبين يرون أن هذه الحكومات قد بسطت أيديها مع الأوساط الإسلامية أكثر مما يجب، ظنا منها أنها تفوت الفرصة على النافخين في كير التطرف والعنصرية من الجهتين، حتى قال أحد المنتقدين بشدة “إذا كانت الأموال الأجنبية قد ساعدت في تنامي نشاطاتهم، فإن سذاجة الحكومات الأوروبية سمحت لهم بذلك”.

كلما أطلق اليمين الأوروبي صرخات الفزع من استحالة إدماج المسلمين في المجتمعات الغربية، تلقفها الإسلام السياسي بالمزيد من الابتهاج والتهليل

أدى الأمر إلى مراجعة بريطانيا لسياساتها إزاء جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات إسلامية أخرى. وبدأ هذا التوجه في عام 2014 عندما أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها بإعادة النظر في شأن الجماعة ووجودها في بريطانيا وكيف يجب أن تتعامل معها السياسة الرسمية، ذلك أن الجماعة الإسلامية قد استخدمت على نحو انتقائي العنف وفي بعض الأحيان الإرهاب سعيا وراء أهدافها المؤسسية، كما حذرت تقارير استخبارية من أسلوب الإخوان في الحديث السياسي المخادع والمزدوج، وأوصت الحكومة البريطانية بالحذر من التعامل مع التابعين لهذه الجماعة باعتبارهم شركاء.

نتائج مشابهة بدأت بالظهور في مناطق أخرى من القارة الأوروبية؛ فقد نشرت الوكالة السويدية للطوارئ والدفاع المدني التابعة للحكومة السويدية تقريرا مثيرا للجدل عن الإخوان، الذي كشف عن أن الجماعة كانت تنشئ «مجتمعا موازيا» في البلاد مخالفين في ذلك القيم والقوانين السويدية.

ينبع القلق الأكبر الذي تثيره هذه التقارير وغيرها من أنه لم يتم التسامح مع الإخوان فحسب، بل تم أيضا منحهم شرعية وتمكينا في أوروبا. فقد حصلت المنظمات التي أسسها ويديرها ناشطو الإخوان على مكانة مميزة بصفتها ممثلة عن الجاليات المسلمة في الدول المعنية، ووصلوا إلى السيطرة على بعض أكبر المساجد والمدارس الإسلامية، ونظموا عملية إعادة تسكين اللاجئين، ودربوا أئمة شبابا على ممارسة العمل الدعوي باللغات المحلية.

كل ما تقدم يشير إلى إشكالية تشبه المعضلة وكان على أوروبا حسمها، وهي أن الحلول التي تقدمها الحكومات المعتدلة بقصد تسهيل الاندماج والوقاية من التطرف والحد من تفاقم خطاب الكراهية، كل هذه الحلول تلقفتها الجماعات الإسلامية واستفادت منها لتقوية شوكتها بالمزيد من تكريس الانعزالية واستفزاز الأوساط المحافظة التي تسكنها الريبة والشك في إمكانية التعايش واندماج المسلمين في المجتمع الغربي.

الأمر على هذه الحالة أصبح يشبه الجراثيم التي تتغذى وتتقوى من الأدوية المضادة لها، فلا تزيدها طرق الوقاية منها إلاّ مناعة وإصرارا على التعايش مع الدواء المضاد، فأغلب الحلول المجترحة والمقترحة لتسهيل الاندماج وإذابة طبقات الجليد بين الجاليات المسلمة وبقية أطياف المجتمع الأوروبي، أصبحت تخدم عكس ما أريد لها.

تراجع السياسات الأوروبية إزاء موضوع الاندماج، وإصابة بعضها بالنكوص والإحساس باللاجدوى وتنامي النزعات الشعبوية، من شأن هذه العوامل مجتمعة أن تشجع التطرف الإسلامي على المضي في أعماله التخريبية وتهديده للأمن والسلام تحت ذريعة الانتقام من جهة، وتقوي جبهة اليمين المتطرف من جهة ثانية، بدليل أن زعيم الحزب اليميني المتطرف في هولندا خيرت فيلدرز، قد دعا منذ أيام إلى “إخراج الإسلام من نطاق الحريات الدينية”، التي يكفلها دستور البلاد.

وادعى فيلدرز، في تصريح لصحيفة “تيلغراف” البريطانية، أن “الإسلام ليس دينًا، بل أيديولوجيا شمولية وخطيرة وعنيفة”، داعيا إلى استبعاده من نطاق الحريات الدينية التي يضمنها الدستور، وطالب بالبحث عن وسائل قانونية لتحقيق ذلك.

وكان فيلدرز تعهد في أكثر من مناسبة بإغلاق المساجد وحظر تدريس القرآن الكريم في البلاد، وإلغاء تصاريح الإقامة الممنوحة لطالبي اللجوء، في حال وصوله إلى السلطة.

13