الإرهاب يستهدف العمق المسيحي في مصر.. ضرب التنوع وإحراج الدولة

تعرض كنيستي طنطا والإسكندرية المصريتين إلى عمليتي تفجير في وقت يكاد يكون متزامنا، عمل أريد به الذهاب أبعد من مجرد استهداف المواطنين المسيحيين. قبل فترة قليلة من زيارة بابا الفاتيكان إلى القاهرة، وقبل أيام من افتتاح الموسم السياحي، وفي غمرة عودة مصر إلى الساحة الإقليمية والدولية، مع تشديد الخناق على جماعة الإخوان، جاء هذا العمل الإرهابي ليوجه رسائل متعددة مبتغاها تقويض التعافي المصري عبر استهداف دليل التنوع المصري، أي المكون المسيحي الأصيل.
الاثنين 2017/04/10
استهداف دليل تنوع المجتمع المصري

برهن تصاعد العمليات الإرهابية التي استهدفت المسيحيين في مصر على وجود مكاسب عديدة تحملها تلك العمليات بالنسبة إلى التنظيمات الإرهابية، التي أخذت في توسيع نطاق مواجهاتها، عبر توسيع نطاقها الجغرافي الذي تخوض فيه المعركة، بجانب توسيع الفئات والأطراف التي تستهدفها.

وقال مراقبون إن استهداف الأقباط يمثل نقاطا رخوة تُمكن تلك التنظيمات الإسلامية المتشددة من تحقيق نجاحات سياسية مختلفة، إذ أنها توجه ضربات مباشرة لعلاقتهم بالقيادة السياسية، والتي تتسم بالقوة في هذا الوقت، كما أنها تضرب الأدوار الإقليمية المتنامية للدولة المصرية.

وأشار محللون إلى أن ارتباط العديد من الجماعات المسلحة بأجهزة استخبارات دولية قد يعمل تحديدا على إعاقة تنامي الحضور المسيحي المصري على الساحة العالمية، وهو ما ظهر مؤخرا من خلال تدشين العديد من المبادرات لمواجهة الأفكار المتطرفة، وتعزيز قيم المواطنة، بعد أشهر قليلة من استئناف الحوار بين الأزهر والفاتيكان، وقبل أيام من الزيارة المرتقبة للبابا فرانسيس الثاني، بابا الفاتيكان، إلى القاهرة نهاية الشهر الجاري.

استهداف الأقباط يمثل نقاطا رخوة تمكن التنظيمات الإسلامية المتشددة من تحقيق نجاحات سياسية مختلفة

وهذا ما يفسر قوة الضربات التي وجهها تنظيم ولاية سيناء (داعش) الأحد، بعد أن استهدف كنيستين في توقيتات متزامنة مع احتفالات الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية، الإنجيلية، والكاثوليكية) بـ”أحد الشعانين”، المعروف بعيد السعف، والذي يعد مدخلا لـ”أسبوع الآلام”، وأدى إلى مقتل نحو 40 شخصا وإصابة أكثر من 70 آخرين.

تأثير التفجيرين قد يكون أكثر زخما من أي أعمال إرهابية على أيدي الجماعات الإسلامية وقعت في السابق، إذ أن أحدهما، قد وقع بالكنيسة المرقسية بالإسكندرية، والتي كان يصلى بها بابا الأقباط المصريين تواضروس الثاني، إلا أنه كان غادر المكان قبل وقوع الانفجار بدقائق، فيما وقع الانفجار الآخر بكنيسة مار جرجس بمدينة طنطا.

ولا يمكن الفصل بين التفجيرين الأخيرين وبين العمليات المتلاحقة التي وجهها تنظيم داعش (ولاية سيناء) ضد الأقباط منذ نهاية العام الماضي، وهي الفترة التي شهدت تغييرا في أسلوبه داخل مصر، بعد أن بدأ في الانتشار داخل المحافظات المصرية المختلفة، وبدء تنسيقه مع الخلايا الصغيرة المسلحة التي تنتمي إلى جماعة الإخوان في مصر.

وبدا ظاهرا أن البداية كانت من خلال استهداف الكنيسة البطرسية بالقاهرة في ديسمبر الماضي، ما أدى إلى مقتل 25 شخصا وأصيب 31 آخرون، مرورا بالاعتداءات المتكررة على الأقباط في شمال سيناء، وانتهاء بتهجير أكثر من 120 أسرة مسيحية من مدينة العريش بشمال سيناء، إلى محافظات الدلتا، وأيضا بحوادث القتل الفردية بحق مسيحيين عاديين في محافظات مصرية متفرقة، وإن كان ذلك تم بواسطة سلفيين متشددين في تلك المحافظات.

قال كمال حبيب الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية لـ”العرب” إن تنظيم داعش انتهج سياسة جديدة في مصر بدأت جذورها في النصف الثاني من العام الماضي، تقوم على استهداف الأقليات المصرية المخالفة له في الفكر والعقيدة، بهدف شق الجسد المجتمعي الذي فشلت في التعامل معه باستهداف صفوف الجيش والشرطة.

وفي نوفمبر الماضي أقدم تنظيم داعش على ذبح الشيخ سليمان أبوحراز، البالغ من العمر 98 عاما، أكبر مشايخ الطريقة الصوفية في شبة جزيرة سيناء، وأعقب ذلك استهداف عدد من الأفراد الذين اتهمهم التنظيم بممارسة أعمال السحر والتخابر مع أجهزة الأمن.

وأضاف أن مسألة “تطييف” الصراع تعد مسألة راسخة في وجدان التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي جرى على نحو واسع في سوريا والعراق وليبيا، بالإضافة إلى إقدام تنظيم داعش على القيام بالعديد من العمليات الإرهابية التي استهدفت جماعات شيعية في البعض من بلدان الخليج العربي، للهدف ذاته، والذي يسعى لإثارة النعرات الطائفية.

مسلم ومسيحي إيد واحدة

وفرّق مراقبون بين الاعتداءات السابقة التي كانت تستهدف الأقباط بين الحين والآخر وبين الإستراتيجية الجديدة التي أعلن تنظيم داعش عن تطبيقها في مصر مطلع يناير الماضي، بعد أن بث رسالة مسجلة لمنفذ هجوم الكنيسة البطرسية بالقاهرة، يدعو فيها جميع عناصر التنظيم إلى قتل من أسماهم بـ”الصليبيين” في مصر، وهو ما عبر عنه أيضا في إصدارته الإعلامية التي صدرت في هذا التوقيت.

وتحمل ظاهرة العداء للأقباط جذورا قديمة لدى التنظيمات الإسلامية في مصر على مختلف توجهاتها، كما أن فشل تعامل الدولة مع العديد من تلك الحوادث أدى إلى تصاعد وتيرتها، فيما كانت ذروة هذه الاعتداءات وقت تنامي الجماعات الإسلامية في ثمانينات القرن الماضي، بالإضافة إلى صعود منحى استهدافهم عقب اندلاع ثورة يناير.

وقالت مصادر أمنية لـ”العرب”، إن إستراتيجية التنظيم، والتي تبنت أفكاراُ تنادي بها تيارات الإسلام الراديكالي في كل من سوريا والعراق منذ فترة، تلاقت مع الخلفية التاريخية للجماعات المسلحة داخل مصر، وهو ما يعكس حجم التنسيق بين الطرفين في الحوادالإرهابية الأخيرة.

ما يؤكد على جدية هذا التعاون التشابه بين تنفيذ عملية الكنيسة البطرسية وبين حادثي الأحد، ففي العملية الأولى كانت هناك عملية أخرى نفذتها خلية إخوانية تحمل اسم “حسم” بالقرب من أحد مساجد محافظة الجيزة قبل أسبوع من وقوعها، وهو ما تكرر هذه المرة، إذ تبنت مجموعة أخرى تابعة للجماعة تسمى بـ”لواء الثورة” الأسبوع الماضي تفجيرا بالقرب من أحد مراكز التدريب بمحافظة الغربية أيضاً، وأسفر عن مصرع أحد رجال الأمن.

وذهب العديد من الخبراء الأمنيين إلى أن اختيار توقيت تنفيذ العمليات الإرهابية بحق الأقباط بالتزامن مع أعيادهم، كما حدث في السابق، يرجع إلى أنه في تلك الأوقات تكون الكنائس أهدافا رخوة بسبب التزاحم من قبل المصلين، ولا تنجح قوات الأمن في التعامل معها بالرغم من التواجد الأمني الكثيف في تلك الأثناء.

كما أن اختيار التوقيت ينطوي على رسائل سياسية أخرى يسعى تنظيم داعش لإيصالها، لإحداث أصداء واسعة بسبب تزايد عدد الضحايا، بالإضافة إلى تقديم دلالات على أن الأوضاع الداخلية المصرية مازالت تعاني مشكلات أمنية وسياسية عديدة.

وقال عبدالجليل الشرنوبي الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية لـ”العرب” إن استهداف الأقباط، سواء داخل مصر أو خارجها، يعد إفرازا لما يمكن توصيفه بالأداء الطبيعي لتنظيمات الإسلام السياسي، وأن هذا الأداء قد يخفت أو يتلاشى في بعض الأحيان بفضل الضغوطات التي يتعرض لها، إلا أنه لا يمكن أن يختفي، باعتباره الوسيلة الأولى لتحقيق أهداف عقائدية بالنسبة لهم، وكذلك لتحقيق أهداف سياسية من ورائه.

وأضاف بالنسبة للحالة المصرية، فإن تلك التنظيمات تعي أن البلدان الغربية تتعامل بحساسية مع قضايا العنف المتعلقة بالمسيحيين داخلها، وهو ما تسعى لتصديره إلى الخارج، الأمر الذي لا يمكن أن يتم دون تدخل أجهزة استخبارات أجنبية، وبالتالي فإن مثل هذه العمليات تستخدم ورقة ضغط على النظام الحالي بين الحين والآخر.

الفترة الماضية شهدت تعبئة للأجواء العامة داخل التنظيمات المتطرفة، لاستفزازها من أجل ارتكاب المزيد من الحوادث

وأوضح أن المتابع لمختلف وسائل الإعلام التابعة لجماعات الإسلام السياسي، وتحديدا الموقع الرسمي لجماعة الإخوان، سيلحظ أن الفترة الماضية شهدت تعبئة للأجواء العامة داخل قواعد التنظيمات المتطرفة، لاستفزازها من أجل ارتكاب المزيد من الحوادث، وهي الرسائل التي تستهدف جميع التنظيمات، بدءا من الإخوان والسلفية الجهادية، وصولا إلى داعش.

ورأى مراقبون أن هذا الشحن تم أثناء زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الولايات المتحدة الأسبوع الماضي، بعدما بثت العديد من المواقع التابعة للتنظيمات الإسلامية أخبارا تتعلق بأن هناك تكليفات كنسية صدرت للأقباط في أميركا بالتحرك لدعم الرئيس، وذلك عبر حافلات تابعة للكنيسة المصرية هناك، وهو ما أبرزه موقع “إخوان أون لاين”، الناطق باسم الجماعة.

وأكد الشرنوبي الذي انشق عن الإخوان منذ سنوات، أن هذا هو تحديدا ما تلعب عليه جماعة الإخوان بشكل سياسي أكبر، إذ تحاول أن تتعامل مع جميع الفئات التي تقف على مقربة من الرئيس المصري أولا بأول في خضم معركتها الرئيسية الهادفة إلى رغبتها في تحقيق أي انتصارات سياسية في مواجهة الحكومة المصرية الحالية.

الجدير بالإشارة أن مساجد مدينة طنطا فتحت أبوابها أمام المتبرعين بالدم لتلبية حاجات المستشفيات من أنواع الدم التي يحتاجها الأطباء في العمليات الجراحية. وفي السياق نفسه تجمهرت أعداد كبيرة من المواطنين أمام الكنيسة التي تعرضت للاعتداء حيث تعالت الشعارات “مسلم ومسيحي إيد واحدة”. وكانت تعبيرات شعبية عفوية تعيد المسألة إلى سياقها الحقيقي وقوامه أن مصر بكل مكوناتها تعرضت لطعنة إرهابية غادرة، وان المستهدف هو المواطن المصري.

13