الإرهاب يغير ملامح المدن

أكبر خطأ يرتكبه السياسيون والصحافيون محاولة إقناع الناس بأن الإرهاب وضع مؤقت سينتهي قريبا وتعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق. هذا يجعل الناس يعيشون إنكارا مستمرا لكل ما يحيط بهم.
الخميس 2018/08/16
الطرق التقليدية لم تعد قادرة على حماية المدن من الإرهاب

لم يعد الإرهاب تهديدا مباشرا لحرية البشر، بل صارت المسألة متعلّقة بحرية المدن. هذا يعود إلى أن قدرة البشر على مقاومة خنق الحرية أكبر من قدرة المؤسسات السياسية والدفاعية والاستراتيجية التي تقع في وسط العواصم الكبرى على المقاومة.

ربما كان أكثر ما يميز المدن الأوروبية العريقة في السابق الفن المعماري الراقي، وقدرة المدينة على المزج بين الارتقاء الحضاري وتغير الطبيعة الاقتصادية للمجتمع وديناميكيته، بالطبيعة المتحلية بلمسة برية، كالغابات العامة والبحيرات وأنواع الطيور والحيوانات النادرة. الحواجز الحديدية لم تكن يوما جزءا من هذه الشخصية الفريدة.

اليوم صار الناس يعتبرون هذه الحواجز، التي صمّمت أصلا لحماية المؤسسات الحكومية الرئيسية من الهجمات الإرهابية، جزءا أساسيا من شخصية المدينة.

الفكرة تعتمد على الاحتماء بالمسافة. لا يوجد شيء يعيق وصول سكين أو سيارة يقودها شخص يريد تفجيرها في مبنى أو يدهس بها المارة أو حتى أي سلاح ناري، سوى المسافة. إبعاد كل هذه الأسلحة لا يتسق إلى عبر إحاطة المباني والشوارع المزدحمة بالحواجز.

اليوم ثمة أفكار في لندن مثلا لتحويل منطقة ويستمنستر، التي حاول صالح خاطر، البريطاني من أصول سودانية يوم الثلاثاء دهس المارة فيها، إلى منطقة مشاة فقط. هذا يعني أن مبنى البرلمان سيصبح معزولا، وهو ما يتناقض مع أسس أم الديمقراطيات في العالم، التي لطالما قامت على أن أبواب البرلمان، قلب الطبقة السياسية، مفتوحة للناس دائما.

لا، ليس المطلوب خلق قناعة بأن الحواجز ليس لها دور. لولاها لكان شارع “ميلبانك” الملاصق لمبنى البرلمان قد تحول صباح الثلاثاء إلى بركة دماء. المسألة فقط تتعلق بأن هذه الحواجز تبدو أعلى سنام التفكير داخل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية البريطانية مجتمعة. لم يعد لديها ما تقدمه أكثر من ذلك.

هذا الواقع يفرض قناعة موازية لا مفر منها، وهي أن الإرهاب تحوّل إلى جزء من أقدار البشرية وفكرة الخير والشر التي تحكمها. “القضاء على الإرهاب” صار مصطلحا سورياليا صعب التصور.

لا تسمع أحدا في أوروبا ولا في الشرق الأوسط يتحدث مثلا عن ضرورة القضاء على جرائم القتل أو السرقة أو تجارة المخدرات. من غير المنطقي تصور ذلك.

أكبر خطأ يرتكبه السياسيون والصحافيون محاولة إقناع الناس بأن الإرهاب هو موجة عابرة ووضع مؤقت سينتهي قريبا، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق. هذا يجعل الناس يعيشون إنكارا مستمرا لكل ما يحيط بهم، بانتظار ساعة الخلاص، ويهدّد بانعدام استقرار نفسي للمجتمع يشبه تلك الحالة التي تصيب أيا منا عندما نمر بوضع غير دائم لكنه لا ينتهي.

مسؤولية النخب الفكرية والسياسية إقناع الناس بأن الإرهاب تحول إلى جريمة عادية لن يكون سهلا التخلص منها قريبا. ظهور داعش غيّر المعادلة، وحوّل الإرهاب من نتاج متمرد يقوم على أجندة سياسية، إلى فلسفة قتل من أجل القتل. داعش سينتهي، لكن مدرسة الإرهاب العشوائي التي تركها خلفه ستبقى معنا لعقود.

ليس المطلوب خلق مدينة خضراء، كتلك التي تقع وسط بغداد، بكل عاصمة في أوروبا أو الشرق الأوسط. كل المطلوب هو خلق فلسفة مقاومة تقوم على إعادة توزيع المساحات في المدن بطريقة أذكى وأكثر أمانا
ليس المطلوب خلق مدينة خضراء، كتلك التي تقع وسط بغداد، بكل عاصمة في أوروبا أو الشرق الأوسط. كل المطلوب هو خلق فلسفة مقاومة تقوم على إعادة توزيع المساحات في المدن بطريقة أذكى وأكثر أمانا

لكن لماذا ستبقى رغم هزيمة داعش وانهيار “خلافته”؟

ما قام به داعش هو بناء مبنى كبير على قاعدة فكرية وأيديولوجية كانت موجودة بالفعل. هذه القاعدة وضعها الإسلاميون منذ عقود.

مشكلة الغرب أنه قادر على التعامل مع الظواهر التي تصعد وتهبط، كالقاعدة وطالبان وداعش، لكنه غير قادر على معالجة الأسس التي تقوم عليها.

في ستينات القرن الماضي، قرر جمال عبدالناصر إعدام سيد قطب، لكن بقيت أفكاره، كما قال هو في سيارة الترحيلات في طريقه إلى حبل المشنقة، على قيد الحياة. الغرب فعل الشيء نفسه مع تنظيم داعش، وكما فشلت الدول العربية من قبل في وضع خطة لما بعد إعدام قطب، سيقع الغرب في فخ ما بعد إعدام داعش.

إذن، هناك خياران يواجهان السياسيين اليوم: إما أن تستمر الحياة في المدن دون تغيير ومن ثم تقع المزيد من الهجمات وتتداول وسائل الإعلام أعداد الضحايا كخبر عادي، وإما تتغير المدينة إلى الأبد.

ثمة من يتعامل مع مكافحة الإرهاب باعتبارها معادلة صفرية، أو طريقا ذا اتجاه واحد، وثمة من ينظر لها على أنها حجر نرد، إذا لم يحالفك الحظ على أحد جوانبه، فعليك أن تقلبه على الجانب الآخر. هذا يشمل الاستعداد لاتخاذ قرارات متطرفة أحيانا من أجل بناء قدرة ومرونة في مواجهة تطرف مقابل.

الأسبوع الماضي مثلا، اعترف أحد المتعاطفين مع داعش، بعدما اعتقلته الشرطة البريطانية، أنه كان يخطّط لدهس 100 شخص في شارع أوكسفورد، الذي يمر فيه كل يوم عشرات الآلاف من البريطانيين والسائحين من أجل التسوق. كان طبيعيا بعدها أن يعلن صادق خان عمدة لندن أنه يؤيد تحويل الشارع الأشهر في أوروبا إلى منطقة لعبور المارة فقط.

ثقافة الحواجز ليست جديدة. الحواجز تحولت إلى سمة أساسية من سمات حي السيتي المالي الشهير في شرق لندن لحمايته من هجمات جيش التحرير الأيرلندي (آي.آر.ايه).

اليوم صارت المسألة مختلفة. وقتها كانت الحكومة البريطانية تكافح مجموعة تعتقد أن لديها مطالب سياسية مشروعة تحاول فرضها على الدولة، وبمجرد التوصل إلى اتفاق معها رفعت الحواجز. اليوم لا توجد ثمة مطالب مرتبطة بواقع التطرف الذي نعيشه، وهذا ينزع عنه صفة المؤقت، ويحوله إلى وضع دائم.

تغير شخصية المدينة وملامحها لا يهدف فقط إلى حماية الناس، لكن يهدف أيضا إلى تعويدهم عليه.

صالح خاطر لم يكن معروفا لدى أجهزة الاستخبارات، التي تدرج على قوائم الإرهابيين المشتبه بهم أكثر من 23 ألفا. الاستخبارات تعرف كل هذا العدد الهائل، لكن شخصا واحدا لم تكن تعرفه هو من قام بالعملية.

إذن المسألة لم تعد أمنية، بل باتت متصلة بقدرة المدينة على المقاومة، وقدرة السياسيين على إقناع الناس بذلك. ليس المطلوب خلق مدينة خضراء، كتلك التي تقع وسط بغداد، بكل عاصمة في أوروبا أو الشرق الأوسط.

كل المطلوب هو خلق فلسفة مقاومة تقوم على إعادة توزيع المساحات في المدن بطريقة أذكى وأكثر أمانا.

7