الإرهاب يكسب وقتا ثمينا

السبت 2015/08/15

على نسق المثل “رمتني بدائها وانسلّت”، ها هي الأجهزة المخابراتية الدولية تكشف عن إنتاجها للتطرف والإرهابيين على طريقتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأولها المخابرات الأميركية التي أشارت أصابع الاتهام إليها مبكرا، ولكن لم يجرؤ أحد على الاعتراف بصلات حول ظهور تنظيمات إرهابية مثل “داعش”، لأن ذلك يتطلب حسابات معقدة تترتب عليها مسؤوليات وخسائر في قيمة العمل الاستخباراتي ورحيل متورطين في ذلك.

الفريق المتقاعد مايكل فلين، الذي كان يقود وكالة الاستخبارات الدفاعية بين عامي 2012 و2014 والرئيس السابق لأحد أهم أقسام الاستخبارات الأميركية، صرح مؤخرا بأن الولايات المتحدة كانت تعتقد أن المتطرفين الدينيين سوف يتمكنون من الحصول على ملاذ آمن كبير في سوريا في وقت مبكر من عام 2012، إلا أن بلاده فعلت القليل لمنع حدوث هذا الأمر.

وأشار فلين إلى دراسة “سرّية” أجرتها وكالة الاستخبارات الدفاعية DIA في أغسطس 2012، حذرت من أن الفوضى في سوريا من الممكن أن تسمح بإنشاء جيب سلفي متشدد في المنطقة الصحراوية شرق البلاد، وقال إن هذا يظهر أنه كان ينبغي أن يكون لدى الولايات المتحدة سياسة أكثر ذكاء في ما يخص التعاون مع الثوار العلمانيين في سوريا، وذلك ربطا بتصريحات أخرى لمسؤولين أميركيين منهم جون ماكين وهيلاري كلينتون تعزز الفكرة المتشككة مسبقا عن دور الولايات المتحدة في إنشاء التنظيم أو السماح بظهوره بدلا من كبحه في مهده والوصول إلى مرحلة تهديد الأمن والسلم الدوليين والخروج عن السيطرة، حتى أصبح خطرا على المصالح الأميركية في المنطقة والعالم.

ربما كان هناك نوع من التردد في تقدير خطر التنظيم والمتطرفين وانفلاتهم عن أي التزامات لهم مع الأجهزة الاستخباراتية، ولكن ذلك يدفع ثمنه العالم أجمع حاليا، وبالتالي يصبح التردد مرادفا للخطأ الإستراتيجي، ما يدل على أن الغرب، عموما، لا يزال بعيدا عن فهم متغيرات المنطقة التي جعلها تعيش حريقا سياسيا واجتماعيا بسبب الأخطاء في التقدير، ولا يمكن تحقيق مصلحة للغرب من خلال بؤر إرهابية فالتة أو مارقة، بحسب الاصطلاح الأميركي، لأن النتيجة سلبية للغاية كما يتضح الآن من سلوك تنظيم “داعش” الذي لا يدين بشيء بالتأكيد لأجهزة المخابرات التي مررته أو تساهلت معه في بداياته، ليصبح أكثر تمكنا وتهديدا لأمن الغرب من الداخل، وهذه هي الحقيقة التي لا يجرؤ مسؤولو تلك الأجهزة على الإفصاح عنها، لأنها تعني مساءلة أمام الرأي العام.

ذات التردد نلمسه في الجانب البريطاني الذي أجّل برلمانه التصويت على قرار توجيه ضربات عسكرية إلى تنظيم “داعش” حتى نهاية العام، رغم أن بريطانيا شاركت في التحالف الذي يوجه ضربات للتنظيم في العراق بعد طلب الحكومة العراقية. إلا أن الحكومة لم تطلب من البرلمان توسيع نطاق الضربات ليشمل سوريا، وذلك كان خطأ إضافيا يكشف أن الحكومة لم تقرأ الاتجاهات بصورة دقيقة، وضمنيا يعني أن التنظيم يكسب وقتا ثمينا من الغرب، ويزيد من أعباء دول المنطقة في تحمّل تكلفة تمدد الإرهاب والمتطرفين وتقوية شوكتهم عسكريا وأمنيا.

وفي تقديري أنه من المهم ألا تعتمد دول المنطقة كثيرا على الدول الغربية في ملاحقة التنظيم والإرهاب والمتطرفين، وهي أكثر جدارة في تقييم الوضع من الناحية الأمنية والتعاطي معه من واقع معرفتها بإستراتيجياته وتخطيطه، ويمكنها أن تسبقه بخطوة تسهم في إبطاء حركته وحصاره والتضييق عليه ومن ثمّ القضاء عليه، لأنه في خاتمة المطاف “ما حكّ جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك”، وليس منطقيا أن يرتهن أمننا وسلامنا لحركة غيرنا مهما كان حليفا قويا ومؤثرا وحريصا على القضاء على الإرهاب والتطرف.

كاتبة سعودية

9