الإرياني يهجر ساحة السياسة اليمنية أمام غزو الحوثيين

الاثنين 2015/02/02
الإرياني كان حاضرا ضمن مختلف المنعرجات السياسية في اليمن طيلة عقود

صنعاء - اعتزال عبدالكريم الإرياني السياسة يشكل صدمة للأوساط اليمنية، ليس لقيمة الرجل ذي التأثير الكبير في مجريات الأحداث ببلاده طيلة العقود الثلاثة الماضية فحسب، ولكن أيضا لحاجة اليمن إليه في ظل الأزمة الراهنة وما يميزها من تراجع للفكر السياسي أمام هجمة السلاح.

فوجئت الأوساط السياسية اليمنية والعربية أمس بإعلان عبدالكريم الإرياني مستشار الرئيس المستقيل عبدربه منصور هادي، العمل السياسي بشكل نهائي.

ومأتى المفاجأة أنّ الإرياني هو أحد أبرز الوجوه السياسية اليمنية منذ عقود، وقد اتجهت إليه الأنظار بقوّة خلال فترة الأزمة العميقة التي يمر بها اليمن راهنا بـ”اعتباره صوتا للحكمة، ورجلا للوفاق”، بحسب توصيف أحد الإعلاميين اليمنيين الذي اعتبر انسحاب الإرياني من الحياة السياسية خسارة للبلد وتكريسا لخلو الساحة أمام قوى متشدّدة معتمدة على قوّة السلاح في مقابل افتقارها للفكر السياسي، وذلك في إشارة إلى جماعة الحوثي المسيطرة عمليا على البلد بعد إسقاطها مؤسساته الدستورية، بما في ذلك رئاسة الجمهورية.

وكان الإرياني بدا في الآونة الأخيرة شديد الامتعاض من تصرفات الحوثيين وصوتا مجاهرا بالاعترض عليها في خضم انكفاء عدد كبير من السياسيين خوفا من بطش الجماعة، وحالة من الاستسلام لإملاءاتها. ومن هذا المنطلق علّقت أوساط يمنية آمالا على الإرياني ليكون جدار صد قويا بوجه هجمة الجماعة الشيعية.

وقالت وزيرة الإعلام في الحكومة اليمنية المستقيلة نادية السقاف عبر حسابها الرسمي على تويتر، إن الإرياني “يعلن اعتزال العمل السياسي بلا رجعة”.

وفي ظلّ غياب المعلومات عن دوافع هذا الانسحاب اتجهت التحليلات إلى ربطه بموقف احتجاجي من قبل الإرياني على ما آلت إليت الأوضاع السياسية في اليمن من تداخل وتسطيح وغياب للفكر، منذ سيطرة الحوثيين على البلاد وهو ما لم يتردّد الإرياني نفسه في توصيفه بالانقلاب، قائلا بوضوح “إن الدولة بهياكلها ووزاراتها ومؤسساتها لا تحكم البلاد، وأن جماعة أنصار الله الحوثيين هي من تحكم”. وصاغ الإرياني آنذاك في حوار نشره الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع اليمنية موقفه من الجماعة الحوثية باعتبارها “حركة غير مدنية تسعى إلى تحقيق أهدافها بالطرق والوسائل العسكرية”.

الإرياني جاهر بمعارضة الحوثيين في خضم انكفاء عدد كبير من السياسيين خوفا من بطش الجماعة واستسلاما لإملاءاتها

واعتُبر ذلك الموقف نادرا في وضوحه، خصوصا من الشخصيات المشاركة في السلطة والتي كانت معرّضة للمضايقات وحتى للاعتقال على يد الحوثيين على غرار ما حدث لمستشار الرئيس اليمني أحمد عوض بن مبارك الذي ظل لأيام رهن الاختطاف من قبل مسلحي الحوثي. وتساءل البعض إن كان الإرياني تعرض بعد ذلك الحوار لمضايقات من جماعة الحوثي التي بدا بوضوح أنها لا تراعي مقام أحد في اليمن حتى لو كان في موقع رئاسة الجمهورية.

وقال الإرياني آنذاك إن “ما نراه في كل مؤسسة وفي كل وزارة تصرفات قوة سياسية طابعها عسكري لا يحكمها القانون”، مضيفا “الحوثيون يتدخلون في شؤون الدولة، وحين يسمعون عن مشكلة يذهبون ليحلوها خارج القانون في إطار مكاتبهم وفي إطار لجان ثورية ولجان شعبية”.

كما عبر بوضوح عن رفضه خوض الحوثيين معارك بذريعة مكافحة الإرهاب، قائلا “الدولة ومؤسساتها هي المخولة بهذا الدور وليس لأحد أن يقوم بذلك إلا إذا كان جزءا منها”، ومؤكدا “أن يرى الحوثيون أنفسهم مكلفين ومطلوب منهم القضاء على الإرهاب في البلاد، فنحن نهنئهم إذا كانوا قادرين على ذلك. لكن الإرهاب ظاهرة لا يمكن أن تواجه بحركة غير منضبطة وغير منتظمة تتقاتل مع الناس أينما وجدت للقتال مبررا”. وتنظر الأوساط السياسية اليمنية إلى اعتزال الإرياني باعتباره حدثا فارقا نظرا لتاريخ الرجل وعمله الطويل على رأس الدبلوماسية اليمنية ويصفه البعض بأنه أحد كبار “صنّاع السياسة الخارجية اليمنية لفترات طويلة وناسج شبكة علاقات واسعة عبر العالم”.

ويوصف الإرياني لجهة ثقافته وسعة اطلاعه بأنه “موسوعة حية”. وكانت له مساهمات ومواقف في مختلف المنعرجات التي مر بها اليمن طيلة العقود الثلاثة الأخيرة. وله إلمام بملف جماعة الحوثي بحدّ ذاتها حيث مثّل السلطة ووقّع باسمها على الاتفاقية التي ابرمت مع الجماعة في العاصمة القطرية الدوحة سنة 2008 وقضت بإيقاف الحرب في صعدة.

3