الإسعافات الأولية في الأمس لم تعد منقذة اليوم

مدربو الإسعافات الأولية ينصحون بإجراء عملية الإنعاش القلبي الرئوي حتى لو لم تكن متأكدا من أن الشخص توقف عن التنفس.
الاثنين 2018/04/30
كلما أصبحت الإرشادات أكثر سهولة زاد إقبال الناس على تجربتها

لندن - إجراء الإسعافات الأولية بشكل سليم ومناسب يعد عاملا أساسيا لإنقاذ حياة المصاب أو تقليل حجم الإصابة وخطورتها. لكن في الكثير من الأحيان يرتكب الناس عددا كبيرا من الأخطاء الشائعة، عند تقديم الإسعافات الأولية للمصابين، فيزيدون بذلك الأمر سوءا.

قد يساعد تنفيذ إجراءات الإسعافات الأولية بطريقة صحيحة في إنقاذ المصابين من الموت. ولكن إرشادات الإسعافات الأولية تتغير تدريجيا مع مرور الزمن كلما زادت معرفتنا بالجسم البشري، وهذا يعني أن ما تعلمناه في ما مضى، أصبح الآن بلا جدوى.

تستعرض هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”، بعض الخرافات الأكثر شيوعا عن الإسعافات الأولية والإجراءات الصحيحة التي يتعين علينا اتباعها في المقابل.

الخرافة الأولى: وضع الزبد على مكان الحرق

يمارس الناس هذه الوصفة الشعبية لعلاج الحروق منذ قرون، وقد نصح بها أيضا الجنرال فريدريك فون إيسمارخ، الجراح البروسي، الذي ينسب إليه الفضل في وضع اللبنة الأولى لإجراءات الإسعافات الأولية.

لا شك أن تعريض المنطقة المصابة بالحرق للهواء يسبب ألما مبرحا، ولهذا قد تساعد تغطيتها بمادة باردة، كالزبدة، في تخفيف الألم لبعض الوقت، لكنه سرعان ما يشتد مرة أخرى. ويؤدي منع وصول الهواء إلى الجزء المصاب قبل تبريده، إلى حجز الحرارة في الداخل، وهذا يعني أن الحرارة ستواصل الانتشار في أنسجة الجلد وحرقها.

ويُنصح في المقابل، في معظم حالات الحروق، بإزالة أي ملابس أو جواهر تلامس مكان الإصابة، ثم وضع الجزء المصاب تحت الماء البارد من الصنبور مباشرة لأطول مدة ممكنة، لا تقل عن 20 دقيقة، لأن الماء البارد سيوقف تغلغل الحرارة في أنسجة الجلد، وفي الوقت نفسه سيساعد في تخدير الجزء المصاب. وبمجرد ما يبرد مكان الحرق، يمكنك تغطيته بقطعة قماش نظيفة أو طبقة بلاستيكية رقيقة أو كيس بلاستيكي منعا للتلوث.

ولا يفيد وضع الزبدة على مكان الحرق إلا في حالة واحدة فقط، وهي أن يكون الحرق ناتجا عن التعرض للقار الساخن، عندها سيساعد الزبد في إزالة القار الملتصق بالجلد وتخفيف الألم.

الخرافة الثانية: الإنعاش القلبي الرئوي بالضغط على الصدر لشخص لا يحتاج ذلك قد يضر أكثر مما ينفع إذا أُصيب شخص ما بالسكتة القلبية أو توقف القلب فجأة، فإن فرص بقائه على قيد الحياة ستزيد إذا أجريت له عملية الإنعاش القلبي الرئوي الفوري (بالضغط على الصدر) قبل وصول فريق الإسعاف الطبي.

في معظم حالات الحروق، يوصى بإزالة أي ملابس ثم وضع الجزء المصاب تحت الماء البارد مباشرة لأطول مدة ممكنة

إنك تتعلم عادة في دورات الإسعافات الأولية، أن تراقب صدر المصاب وتضع رأسك على مقربة منه لتستمع لأنفاسه. فإذا لم تجد أي أثر للتنفس، فعليك أن تتصل بالطوارئ وتباشر بإجراء عملية الإنعاش القلبي الرئوي إلى حين وصول الفريق الطبي.

وينصح مدربو الإسعافات الأولية بإجراء عملية الإنعاش القلبي الرئوي حتى لو لم تكن متأكدا من أن الشخص توقف عن التنفس.

ورغم ذلك، فإن الكثيرين يمتنعون عن إجراء عملية الإنعاش القلبي الرئوي خشية إلحاق ضرر بالمصاب.

وأجريت دراسة في مدينة يوكوهاما، ثانية كبرى المدن اليابانية، تابع خلالها الباحثون حالات المصابين الذين أجرى لهم المارة عمليات الإنعاش القلبي الرئوي، لتقييم احتمالات حدوث تبعات لهذه العملية إن لم يكن المريض في حاجة إليها.

وأثناء الدراسة، أجرى المارة عمليات الإنعاش القلبي الرئوي على 910 شخصا، منهم 26 شخصا لم يكونوا مصابين بالسكتة القلبية. ولم تسبب عملية الإنعاش القلبي الرئوي مضاعفات إلا لثلاثة من غير المصابين بالسكتة القلبية فقط، أصيب أحدهم بكسر طفيف في الضلوع، ولكن هذه المضاعفات لم تكن بشكل عام خطيرة.

وفي نهاية الدراسة، شجع الباحثون المارة على المبادرة بإجراء عملية الإنعاش القلبي الرئوي، إذا صادفوا شخصا مصابا بالسكتة القلبية، حتى لو لم يتأكدوا تماما من أن المصاب يحتاجها. فهذه العملية قد تنقذ شخصا من الموت.

الخرافة الثالثة: لا يمكن تنفيذ عملية الإنعاش القلبي الرئوي من دون إجراء التنفس الإنقاذي بالتوازي مع توجيه ضغطات الصدر

طرأ على التوجيهات العامة ذات الصلة بالإنعاش القلبي الرئوي الكثير من التغييرات في العقد الماضي، إذ كانت الدورة الواحدة من الإنعاش القلبي الرئوي تتضمن 15 ضغطة سريعة على صدر المريض يليها تنفسان إنقاذيان (أي نفخ الهواء في فم المصاب). ثم توصلت دراسات إلى أن إعطاء المريض تنفسين إنقاذيين بعد كل 30 ضغطة على الصدر لا يقل فعالية عن إعطائه التنفسين الإنقاذيين بعد 15 ضغطة فقط على الصدر. ومنذ ذلك الحين، بات يُنصح بالضغط 30 مرة على الصدر ثم إعطاء تنفسين إنقاذيين.

لكن أخيرا توصلت دراسات إلى أنه من الأفضل التوقف عن إعطاء التنفس الإنقاذي تماما، ومواصلة الضغط على صدر المريض ضغطات سريعة متتابعة دون توقف للمساعدة في إيصال الدم إلى الدماغ. وهذه العملية ستسرع من تدفق الدم إلى الدماغ.

وأجريت ثلاث تجارب، وُزع فيها المشاركون على المجموعات عشوائيا، للمقارنة بين طريقة الإنعاش القلبي الرئوي التي تتضمن التنفس الإنقاذي وطريقة الإنعاش القلبي الرئوي من دون التنفس الإنقاذي، وتوصلت التجارب إلى أن الاختلافات بين الطريقتين تكاد لا تذكر.

لكن بعد جمع نتائج الدراسات وإعادة تحليلها، توصل الباحثون إلى أن فرص نجاة المصاب بالسكتة القلبية تزيد بنسبة 22 في المئة إذا أجرى له المارة عملية الإنعاش القلبي الرئوي التي تتضمن الضغط على الصدر بصورة متتابعة فقط دون استخدام التنفس الإنقاذي، مع الالتزام بتوجيهات موظف الاتصالات المسؤول عن إرسال سيارات الإسعاف. لكن هذه النتائج لا تنطبق على حالات الأطفال ولا الناجين من الغرق، التي ينصح فيها بإعطاء التنفس الإنقاذي.

وتعد هذه النتائج مجدية لسببين، أولا لأنها تنطوي على زيادة في فرص النجاة، وثانيا، أن الاستغناء عن التنفس الإنقاذي في عملية الإنعاش القلبي الرئوي سيشجع الناس على إجرائها للمصابين بالسكتة القلبية.

فكلما أصبحت الإرشادات أكثر سهولة، زاد إقبال الناس على تجربتها. وطوّرت لعبة جديدة لتعليم الناس كيفية تنفيذ عملية الإنعاش القلبي الرئوي في حال تعرض شخص ما للسكتة القلبية. هذا بالإضافة إلى أن الكثيرين يأنفون من ملامسة فم شخص غريب ونفخ الهواء فيه. إلا أن البعض لا يزال غير مستعد أيضا للضغط على صدر المصاب بالسكتة القلبية. إذ توصل بحث أجري في عام 2017، وعُرض في المنتديات العلمية لمعهد القلب الأميركي، إلى أن بعض المارة يتخوفون من لمس صدر امرأة.

وأجرت أودري بلوير دراسة على نحو 20 ألف مصاب بالسكتة القلبية، واكتشفت أن نسبة المصابين بالسكتة القلبية الذين تلقوا الإنعاش القلبي الرئوي خارج المستشفيات كانت 45 في المئة من الرجال، مقابل 39 فقط من النساء.

الخرافة الرابعة: لا تستخدم جهاز “مزيل رجفان القلب” لتوجيه صدمة كهربائية إلى قلب المصاب إلا إذا كنت متيقنا من أن قلبه توقف

تعد هذه الخرافة من أكبر الخرافات، لأن مزيل رجفان القلب (وهو جهاز آلي يصوب صدمات كهربائية لتقويم ضربات القلب) متوفر في الكثير من الأماكن العامة، مثل محطات القطارات، وبإمكان أي شخص أن يستخدمه. فضلا عن أن الجهاز هو الذي سيحدد مدى استفادة الشخص الفاقد للوعي من الصدمات الكهربائية.

17