الإسكندرية مهددة بالغرق

ارتفاع منسوب مياه البحر يهدد بإغراق الأحياء الفقيرة والمواقع الأثرية، مما دفع السلطات إلى بناء حواجز خرسانية في البحر لكسر المد.
السبت 2019/08/31
الكتل الخراسانية تدفن الشاطئ

سامي مجدي

الإسكندرية – تواجه مدينة الإسكندرية الساحلية، والتي نجت من كوارث الغزوات والحرائق والزلازل منذ أن أسسها الإسكندر الأكبر قبل أكثر من ألفي عام، تهديدا جديدا بسبب تغير المناخ.

ويهدد ارتفاع منسوب مياه البحر بإغراق الأحياء الفقيرة والمواقع الأثرية، مما دفع السلطات إلى بناء حواجز خرسانية في البحر لكسر المد. وكانت عاصفة ضربت أجزاء كبيرة من المدينة سنة 2015، مما تسبب في مقتل ستة أشخاص على الأقل وانهيار حوالي عشرين منزلا. وكشفت هذه الحادثة نقاط ضعف البنية التحتية المحلية.

يحيط البحر بالإسكندرية، التي تعد عاصمة مصر الثانية، والميناء الأول في البلاد، وتحدّها بحيرة مريوط من الجنوب، مما يجعلها عرضة للكوارث الناتجة عن ارتفاع مستويات سطح البحر بسبب الاحتباس الحراري وذوبان القمم الجليدية القطبية.

في أواخر أربعينات وخمسينات القرن العشرين، مثلت الإسكندرية ملاذا للكتاب والفنانين وجذبت السائحين المصريين والأجانب لجمالها وسحر معالمها.

اليوم، بقيت شواطئ المدينة وجهة صيفية رئيسية للمصريين. لكن، تراجعت جاذبية العديد من وجهاتها الشهيرة وتآكلت الشواطئ التي امتازت بها.

وحذرت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة للأمم المتحدة من أن مستويات سطح البحر قد ترتفع من 0.28 إلى 0.98 متر (من 1 إلى 3 أقدام) بحلول نهاية القرن الحالي، مما سيخلق “تداعيات خطيرة على المدن الساحلية والدلتا والبلدان المنخفضة”.

ويقر الخبراء بأن الاختلافات الإقليمية والتباين في ارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيراته تبقى نقاطا غير مفهومة. ولكن، تشهد الإسكندرية، وهي مدينة ساحلية تجمع أكثر من 5 ملايين شخص وتوفر 40 بالمئة من الطاقة الصناعية لمصر، علامات تدل على طبيعة النتائج التي سيخلفها التغير المناخي.

تقول وزارة الموارد المائية والري في مصر إن مستوى سطح البحر ارتفع بمعدل 1.8 ملليمتر سنويا إلى حدود سنة 1993. وارتفعت هذه النسبة خلال العقدين التاليين إلى 2.1 ملليمتر في السنة. ومنذ سنة 2012، وصلت النسبة إلى 3.2 ملليمتر سنويا، وهو ما يمكن أن يهدّد الأسس التي بنيت عليها المدينة.

الإسكندرية، وهي مدينة ساحلية توفر 40 بالمئة من الطاقة الصناعية لمصر، تشهد علامات تدل على طبيعة نتائج التغير المناخي

تغرق الأرض التي بنيت عليها الإسكندرية ودلتا النيل المحيطة بها بنفس المعدل تقريبا، ويرجع ذلك جزئيا إلى الخزانات والسدود التي تؤدي إلى تآكل شواطئ دلتا النهر لمنعها من وصول الطمي والرمال المحمولة مع المياه إلى هذه المناطق لتغذيتها وتعزيزها.

ومن المتوقع أن يساهم ذلك في تفاقم آثار ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يحمل عواقب وخيمة محتملة. وتنبأت دراسة أجريت سنة 2018 باحتمال غرق حوالي 734 كيلومترا مربعا (أكثر من 280 ميلا مربعا) من دلتا النيل بحلول سنة 2050، و2660 كيلومترا مربعا (أكثر من ألف ميل مربع) بحلول نهاية القرن، مما يهدد حياة 5.7 مليون شخص.

يعاني السكان الذين يعيشون في المناطق المنخفضة من العواقب بالفعل. وقال أبورندة، وهو أحد سكان حي الشاطبي ويبلغ من العمر 52 عاما، إنه اضطر إلى إصلاح منزله المؤلف من ثلاثة طوابق مرتين منذ فيضانات 2015.

وفسّر تصميمه على مواصلة العيش هناك قائلا “نحن نعرف أن عيشنا هنا يعدّ أمرا محفوفا بالمخاطر. نحن نعلم أن المنطقة ستغرق، لكننا لا نمتلك بديلا”.

في حي المكس، أجبر المئات من المتساكنين على مغادرة منازلهم بعد الفيضانات التي جرفت المنطقة سنة 2015. وبنت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية المصرية تسع بنايات سكنية لإيوائهم بعد أن صنفت المنطقة على أنها غير آمنة. وعملت السلطات على تشييد آليات دفاعات بحرية لحماية الحي الذي يعدّ موطنا لمصفاة لتكرير النفط ومصنع للأسمنت، لكن السكان قالوا إنها لم تحدث فرقا كبيرا.

وقال عبدالنبي، وهو صياد يبلغ من العمر 39 عاما، “تزداد قوة الأمواج كل سنة. لم نشهد أي تحسن. لقد أجبرت حدة الأمواج السكان على مغادرة منازلهم”.

كما تواجه المواقع الأثرية التي نجت من الكوارث التاريخية خطر الغرق في البحر. وكانت منارة الإسكندرية من عجائب الدنيا السبع ومن أطول الهياكل التي شيدها الإنسان، ودمرها زلزال ضرب المنطقة في القرن الرابع عشر. وأحرقت مكتبة الإسكندرية الشهيرة عندما أشعل يوليوس قيصر أسطول العدو سنة 48 قبل الميلاد، حيث امتدت النيران من السفن إليها.

لكن قلعة قابتاي، التي بنيت على أنقاض المنارة سنة 1477 للدفاع عن مدينة الإسكندرية من الجيوش القادمة من البحر، مازلت قائمة. كما تعاونت مصر مع الأمم المتحدة على بناء مكتبة الإسكندرية الجديدة في موقع قريب من المكتبة القديمة بمنطقة الشاطبي بالمدينة. وافتتحت المكتبة سنة 2002.

لكن، قال عاشور عبدالكريم، وهو رئيس الهيئة المصرية العامة لحماية الشواطئ، إن القلعة معرضة للخطر. وأشار إلى أن الأمواج والتيارات القوية أجبرت السلطات على تشييد عدد من الحواجز البحرية الخرسانية على طول الكورنيش.

6