الإسكوا: العدل أساس تقدم المجتمعات

الجمعة 2014/09/19
ما تشهده المنطقة العربية من صراعات يفاقم صعوبة تطبيق العدالة الاجتماعية

تونس – أجمع الخبراء المشاركون في الدورة 28 لاجتماع الإسكوا على أن الوضع الذي تمر به بعض البلدان العربية أثّر على المنطقة ككل واعتبروا أن السبيل الأمثل لتفادي الغرق أكثر في الأزمات يكمن في تحقيق العدالة الاجتماعية واتباع سياسات اقتصادية وتنموية جديدة أساسها التكامل العربي.

كانت العدالة الاجتماعية مطلبا ملحّا عندما اندلعت شرارة الانتفاضات العربية سنة 2011. ورغم تغيّر مسار هذه الانتفاضات إلا أن هذا المطلب ظلّ، ولا يزال، مطمح الشعوب حيث لا تزال البطالة مرتفعة والفقر منتشرا ومعدّلات النمو ضعيفة.

ولا يخفي خبراء، اجتمعوا في تونس ضمن الدورة الوزاريّة الـ28 للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعيّة لغربي آسيا (الإسكوا) التي انعقدت من 15 إلى 18 سبتمبر، أن تحقيق العدالة الاجتماعية هدف أمامه الكثير من التحديات التي يرتبط بعضها بالبعد الدولي وبعضها بتراكمات تاريخية وتعقيدات سياسية وجغرافية وتنموية. لكن ذلك لا يعفي الحكومات العربية من واجباتها والتزاماتها السياسية والاجتماعية والقانونية والأخلاقية، حتى أصبحت شرعية أي نظم حكم ترتكز على أساس قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية لمواطنيها.

وقد سلّطت هذه الدورة الضوء على أهمية التعاون العربي في بناء نماذج إنمائية جديدة تستجيب لمطالب الشعوب العربية وانتهاج مقاربات تنموية تأخذ في الاعتبار قدرات الدول والحاجة للتدرج التراكمي في تلبية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (العيش الكريم – الغذاء – المسكن – الصحة – التعليم – العمل).


ماهي العدالة الاجتماعية؟


يعد تحديد مفهوم العدالة الاجتماعية وسبل تحقيقها مثار جدل كبير، كما يخضع هذا المفهوم لتغيير مستمر لأن الفكرة في حد ذاتها ثمرة لنظام قيمي وثقافي وسياسي واقتصادي غير مستقر ويرتبط ارتباطا وثيقا بالتغيرات الداخلية والخارجية والمحلية والإقليمية لكل بلد.

92 مليون فرصة عمل مطلوب توفيرها في البلدان العربية المتوسطة والمنخفضة الدخل بحلول عام 2030

والعدالة الاجتماعية مفهوم معقّد ومجرّد لا توافق على تعريف موحد له. فالبعض يرى العدالة الاجتماعية في إعادة توزيع السلع والخدمات توزيعا عادلا، والبعض الآخر يراها في احترام حقوق الإنسان والمساواة. وما يزيد هذا المفهوم التباسا وجود عدة مدارس فكرية تتناول كل مدرسة موضوع العدالة الاجتماعية من منظور مختلف.

ركز الخبراء المشاركون في الدورة 28 للجنة، خلال حلقة للحوار حول هذا المفهوم، حملت عنوان “العدالة الاجتماعية في السياسات العامة للدول العربية: النهج الإنمائي الجديد”، على أنّ العدالة الاجتماعية ليست بالمفهوم الجديد على المنطقة، بل هي معتقد راسخ في الثقافة العربية الإسلامية، أساسه الحرية والمساواة الكاملة بين البشر والتكافل بين أفراد المجتمع.

وكان مبدأ المشاركة في سياق العدالة الاجتماعية من المواضيع الرئيسية في حلقة الحوار. ويعني هذا المبدأ إشراك المواطنين في القرارات التي تؤثر على مسار حياتهم. والهدف منه تحسين نتائج عمليات التوزيع وتطبيق الديمقراطية.

المشاركة هي التي تغيّر موازين القوى الراهنة لصالح الفئات المهمشة والضعيفة. وقد أكدت الانتفاضات الشعبية خلال الأعوام الأربعة الماضية أهمية المشاركة، إذ أتت بمطالب كإعادة النظر في العقود الاجتماعية السارية، ووضع نموذج إنمائي عادل يجعل المشاركة جزءا من أصول عمل المؤسسات، والمساواة والإنصاف والحقوق.

المنطقة العربية هي المنطقة النامية الوحيدة التي لم تشهد انخفاضا في معدلات الفقر بالرغم من ارتفاع متوسط النمو

ولا تزال منظمات المجتمع المدني تشكل المحرك الأساسي للمشاركة لأنها الأكثر قدرة على التعبير عن تطلعات المواطنين ومطالبهم من موقعها كوسيط رئيسي بين المواطنين والدولة.

والتوصل إلى توافق على مفهوم العدالة الاجتماعية يبقى رهينا لمشاركة المواطنين المثمرة والموسّعة في طرح الأفكار ووضع السياسات. فالعدالة الاجتماعية ليست قرارا سياسيا أو مشروعا عابرا، بل هي عملية تستلزم إعادة رسم السبل المتاحة للتنمية وفتح سبل جديدة للمشاركة في القرار، للانتقال بالعدالة من مفهوم في عالم الخيال حيث يراها الناس غالبا من قلب معاناتهم اليومية إلى واقع في عالم الواقع يعيشه كل فرد في وطنه، وكل وطن في العالم.


كيف يحقق التكامل العربي التقدم؟


وجّه الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، رسالة للمجتمعين في الدورة 28 للجنة الإسكوا، أشاد فيها باختيار الموضوع ليكون محور المناقشات، حيث تتعالى أصوات أكثر من 400 مليون مواطن ينتمون إلى وطن عربي واحد مطالبة بمجتمع عادل ومستقبل مزدهر مشترك، يُبنى على أساس حقوق الإنسان.

لكن المنطقة، شأنها شأن أجزاء كثيرة من العالم، تواجه عقبات كبيرة من فقر وفوارق جغرافية وتفاوت في توزيع الخدمات الاجتماعية وبطالة وإقصاء. وما تشهده المنطقة من صراع تتعدد أشكاله يفاقم من صعوبة تطبيق العدالة الاجتماعية في الواقع.

الإسكوا:
إحدى اللجان الإقليمية الخمس التابعة للأمم المتحدة، تأسست في 9 أغسطس 1973 لتوفر إطارا لصياغة السياسات القطاعية للبلدان الأعضاء. وتهدف إلى دعم التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين بلدان المنطقة وتحفيز عملية التنمية فيها من أجل تحقيق التكامل الإقليمي.

انضمّت كلّ من وتونس وليبيا والمغرب إلى عضوية الإسكوا في شهر سبتمبر 2012 ليصبح عدد أعضاء اللجنة 17 بالإضافة إلى السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عُمان والأردن وسوريا والسودان والعراق وفلسطين ولبنان ومصر واليمن.

وفيما يعمل المجتمع الدولي اليوم على وضع إطار جديد للتنمية المستدامة للفترة المقبلة، سيكون من المهم صياغة موقف عربي موحد ينطلق من الاعتبارات الوطنية والمحلية ليكون جزءاً من المجهود العالمي نحو تحقيق هذا الهدف الحيوي.

بدوره تحدّث غانم بن فضل البوعينين، وزير الشؤون الخارجية في مملكة البحرين التي تترأس الدورة، عن التحدّيات التي تشهدها المنطقة العربية وأدت إلى تداعيات اقتصادية أثرت على معظم دول المنطقة من حيث ارتفاع معدلات البطالة بين فئة الشباب وتزايد نسبة الفقر وتحديات الأمن الغذائي وانعدام البيئة الصحية السليمة والإفراط في استهلاك الموارد الطبيعية وازدياد عدد السكان وغياب مفهوم اقتصاد المعرفة والابتكار. هذه التحديات تتطلب، وفق البوعينين، تقييما وإعادة نظر للسياسات الإنمائية التي سادت لفترة من الزمن لإيجاد خط إنمائي جديد يتكون من دراسات وخطط شاملة متكاملة يتم تنفيذها بأعلى المستويات والمواصفات في سبيل الوصول إلى تنمية مستدامة تحقق رغبات كافة المستويات والفئات وضمان إشراكها ومشاركتها في صنع القرار على جميع الأصعدة وتهيئتها لممارسة حرياتها والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية.


ماهي العلاقة بين العدل والتنمية؟


قد لا يختلف اثنان حول وجاهة مقولة العلاّمة العربي التونسي عبد الرّحمان ابن خلدون المشهورة “العدل أساس للعمران”؛ والكل يعي أن أهمّ أسباب اختلال التوازنات داخل بلد ما هو بالأساس غياب العدل، وفق منجي الحامدي، وزير الشؤون الخارجية التونس.

وبين الحامدي في مداخلته أن عدم القدرة على بناء مجتمعات يسودها العدل والإنصاف يؤدّي حتما إلى تفاقم الفقر وغياب تكافؤ الفرص وانعدام المساواة واتّساع عدم التوازن بين جهات وشرائح مجتمع البلد الواحد، ممّا يولد احتقانا اجتماعيا وشعورا بالإقصاء لدى الفئات المحرومة والمهمّشة.

منجي الحامدي: من أسباب اختلاف التوازنات في العالم غياب العدل وبالتالي انعدام المساواة

وأكّد الحامدي أن تحقيق العدالة الاجتماعية يمثل أحد آليات مواجهة الإرهاب واستقطاب الشباب العربي من قبل الجماعات المتطرفة. وأضاف أن المنطقة العربية اليوم أمام مرحلة مفصليّة دقيقة، تحكمها أوضاع سياسية متوتّرة وتحدّيات أمنية جسيمة في ضوء صعوبات اقتصادية متنامية محلّيا ودوليّا.

ويستدعي هذا الظرف إحكام العمل سويا من أجل بناء مجتمعات تقوم على العدالة الاجتماعية بما يستجيب لتطلعات شعوب المنطقة ومطالبها، ويُؤسس للاستقرار والسلم الاجتماعيين للأجيال القادمة. ويتطلّب هذا التوجّه من كافة الفاعلين والمتدخّلين إعادة نظر شاملة في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية.

ومن الضروري أن يعتمد منوال التنمية المنشود على تعميم مبدأ العدالة الاجتماعية وتبني السياسات والاستراتيجيات الضرورية لضمان تحقيقه ضمن نهج إنمائي جديد ينبني على العدالة بين الفئات والجهات ويُحقّق تكافؤ فرص التشغيل ويضمن استدامة الموارد الطبيعية غير المتجدّدة للأجيال القادمة من خلال ترشيد استغلالها.

ويرى الحامدي أنّ هذه المقاربة التنموية الجديدة ستتطلّب من الخبراء وأهل الاختصاص في البلدان العربية الشروع سريعا في تقديم تصورات لإصلاحات هيكلية لبرامج وآليات تحقيق العدالة الاجتماعية كنظم الحماية الاجتماعية، وبرامج المساعدات الاجتماعية للفئات الهشة وبرامج دعم المواد الغذائية والطاقة والسكن وجميع الخدمات الاجتماعية التي يستوجب توفيرها للمواطنين.

التكامل والتعاون تجربة أثبتت نجاحها في مختلف بقاع العالم، وكانت المنطقة العربية من السباقين في وضع اتفاقيات للتكامل والتعاون، غير أنها لم تحقق منها سوى القليل؛ لذلك يرى سالم عيسى الزعابي، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى تونس، ضرورة الاهتمام بهذه التجربة من أجل تحقيق “عالم عربي يسوده الرخاء والعدل”.

العدالة الاجتماعية ليست قرارا سياسيا أو مشروعا عابرا بل عملية تستلزم إعادة رسم السبل المتاحة للتنمية


ماهو دور السياسات التنموية؟


لأن العدالة الاجتماعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياسات الاقتصادية، كان من البديهي أن يناقش المجتمعون أوجه الترابط بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية وأثر مختلف السياسات الاقتصادية والمالية على التنمية الاقتصادية من منظور الإنصاف والعدالة. وكان ذلك خلال ندوة حملت عنوان “السياسات الاقتصادية الداعمة للعدالة الاجتماعية” ناقش خلالها المشاركون دور السياسات الاقتصادية في دعم العدالة الاجتماعية من منظور شامل تناول الحد من الفقر وعدم المساواة في الدخل والتشغيل والتمويل وخدمات التعليم وخدمات الرعاية الصحيّة.

تمحورت المناقشات حول: ضمان المساواة في المقوّمات الإنمائية، من خلال تأمين خدمات الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والحد من الفقر وتشجيع المشاركة في القرار وتوسيع الحيّز المالي للنفقات الإنمائية من خلال تدابير للكفاءة المالية تشمل الإصلاح المالي والإعانات والضرائب.

على مدى العقود الأخيرة، سجلت المنطقة أداء اقتصاديا جيّدا لكن واقع الأداء الجيد لم يلغِ أوجه الإجحاف والإقصاء الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسياسيّ. وكان من أسباب هذا الإجحاف تعثّر نموذج دولة الرعاية وافتقار النهج الاجتماعي والاقتصادي إلى الرؤية الشاملة، إذ ركّز على النمو وأهمل الاستدامة في التنمية، التي لا تتحقق في غياب المساواة وضمان الحقوق والمشاركة في القرار.

بان كي مون: مطالب المنطقة العربية تتعالى من أجل تحقيق مجتمع عادل ومزدهر

والمنطقة العربيّة هي المنطقة النامية الوحيدة التي لم تشهد انخفاضا في معدّلات الفقر بالرغم من ارتفاع متوسط النمو السنوي لنصيب الفرد من الدخل. وقد بلغ معدّل الفقر المدقع في أقل البلدان نموا بـ21.6 بالمئة عام 2012. وارتفعت معدلات الفقر في العديد من البلدان ولا سيّما بسبب الاضطرابات والصراعات السياسية. وانخفضت نسبة العاملين في القطاع الزراعي بنحو 20 بالمئة خلال هذه الفترة، على إثر الجمود في التنمية الزراعية، نظرا إلى محدودية موارد الأراضي والمياه، فتفاقم عدم المساواة بين المدن والأرياف.

نتيجة لذلك، بلغ معدل البطالة في المنطقة العربية 13 بالمئة في عام 2010، وهو من أعلى معدلات البطالة في العالم، وواصل ارتفاعه ليبلغ 14.4 بالمائة خلال الانتفاضات. وبلغت نسبة عمل المرأة في المنطقة 26 بالمئة مقابل متوسط عالمي قدره 51 بالمئة، وبلغ معدل بطالة الشباب 23.3 بالمئة وهو معدل مرتفع جدا بالمقارنة مع المتوسط العالمي البالغ 13.9 بالمئة.

وتشير التقديرات إلى أن البلدان العربية المتوسطة والمنخفضة الدخل تحتاج إلى إيجاد حوالي 92 مليون فرصة عمل بحلول عام 2030 لتشغيل مجموع القوى العاملة ورفع معدل مشاركة المرأة فيها إلى 35 بالمئة.

وانتقد المشاركون في حلقة الحوار السياسة التي تتبعها معظم الدول العربية لدعم الطاقة وتخصيصها لنسبة كبيرة تتجاوز ما تنفقه على مقوّمات التنمية، إذ تتراوح بين 50 و85 بالمئة من مجموع الإنفاق العام. واعتبروا أن دعم الطاقة لا يخدم صالح الفقراء بالكفاءة والفعالية المطلوبة لأن المستفيدين منه في الغالب هم الأثرياء من السكان.


كيف تقيم الإسكوا المسار الاقتصادي؟


ناقشت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ضمن دورتها الـ28 تقرير “مسح التطوّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة في المنطقة العربيّة” الذي يشمل العام 2013 وبداية العام 2014. ومن أبرز ما ألقي عليه الضوء في هذا التقرير، هو الانخفاض الحاد في معدلات النمو الاقتصادي، من حوالي 7.7 بالمئة في عام 2012 إلى 3 بالمئة في عام 2013، ويعود سبب ذلك إلى فترة طويلة من عدم الاستقرار واستمرار النزاعات فضلا عن التدهور التدريجي في أسعار السلع الأساسيّة.

وكشف تحليل إقليمي عن وجود مسارين إنمائيين مختلفين، مع تسجيل دول مجلس التعاون الخليجي إنماء أسرع وبوتيرة أكبر وتباعدها المتزايد عن غيرها من دول المنطقة بسبب ضعف الروابط بين الأسواق. كما لوحظ أيضا استمرار وجود فجوات في التمويل واستمرار الاعتماد على الدعم المالي الثنائي والمتعدّد الأطراف في دول المغرب العربي والمشرق العربي وأقل البلدان نموا.

وتمت الإشادة بالنجاح المعتدل في الحدّ من استنزاف الاحتياط الأجنبي. وخلُص التقرير إلى تقدير ارتفاع بسيط في معدّل النمو في العام 2014 يصل إلى حوالي 3.4 بالمئة حيث لم يتأثر نمو دول مجلس التعاون الخليجي إلا بشكل طفيف بانخفاض عائدات تصدير الطاقة، بينما يُتوقّع أن يستمرّ تأثّر البلدان المستوردة للطاقة بالمخاطر السياسيّة.

7