الإسلاموية بوجه إنساني

الجمعة 2015/02/20

أمام الضربات العقلانية المتتالية التي يتلقّاها الفكر الأصوليّ، يحاول هذا الأخير أن يلجأ اليوم إلى أساليب وخدع جديدة كي لا يندثر نهائيا من على وجه الأرض. مثلما هناك “كوكا كولا” خفيفة (لايت)، يحاول كثيرون تسويق أصولية “لايت” أو إسلاموية بقناع إنسانيّ.

حلق البعض لحاهم واستبدلوا جلابيبهم ببدلات وربطات عنق وتحوّلوا إلى باحثين يقدّمون الخرافة والتخلّف في ثوب جامعيّ مزيّف. خفّفوا من لهجتهم القتالية السلفية السالفة مطهّرين خطاباتهم من كلمات العنف والجهادوية والحاكمية، فلم تعد الغاية المعلنة “تطبيق الشريعة بحذافيرها” بل باتوا يتحركون من “أجل حقوق الإنسان” وباسم “القوانين الدولية” والموضوعية والبحث العلميّ.

لا يقدّم هؤلاء أنفسهم اليوم كإسلاميين يعملون من أجل إقامة “الدولة الأصولية” بل كأناس يملكون معرفة ويدافعون عن حرية العقيدة، وقد ذهب بعضهم حتى إلى القبول التكتيكيّ بالعلمانية لكن العلمانية المنفتحة كما يقولون، والكلّ يعرف أنّها مجرّد تقيّة يتستّرون خلفها في انتظار توفّر شروط فرض أيديولوجيتهم الشمولية بحدّ السيف.

تمكّن بعضهم من التسلّل إلى بعض المواقع المدنية الرسمية مقدّمين أنفسهم كباحثين وأساتذة، وهم أساتذة شكلا و ناشرو عنف و “أخونة” و أوهام مضمونا. تمكّنوا من زرع بلبلة وإسماع صوت النيو-أصولية تحت يافطة البحث والتدقيق في المصطلح والدعوة لمعارف تراثية لا مجدية. وأراد بعضهم نفي كلمة الأصولية من قاموس اللغة العربية وحاول آخرون نفس الشيء مع كلمة “العلمانية” وهكذا دواليك.

تقاسموا الأدوار وإن لم يشعروا، فمنهم من يفجّر، ومنهم من يدعو إلى دولة دينية مثالية لا توجد سوى في مخيلة معتلة، والبعض ينتحل الفكر والموضوعية والاعتدال ويحاول جعل الإيمان معرفة.

باسم الموضوعية وتجنّب التطرّف يحاولون جاهدين تأبيد بعض فقه قتلته الحياة يجتهدون لاصطناع أعذار له. ولا يعتمد الأصوليون الجدد في نشر دعوتهم على إيديولوجيتهم الإسلاموية بل على المواثيق الدولية المتعارضة تماما مع ما يروجون له والتي لا يؤمنون بها أصلا.

حقوق الإنسان، تلك فريتهم الأخيرة، فلا حقوق للإنسان في إيديولوجيتهم وخصوصا إذا كانت “إمرأة”.

لم تعد محاربة القانون الوضعيّ بالشريعة مجدية بل انتقل النيو-أصوليّون إلى مرحلة الدفاع عن “الشريعة” بالقانون الوضعيّ. محاربة الديمقراطية بالديمقراطية ذاتها، كما نراه جليّا كلّ يوم في الغرب.

وسواء كانت أصولية مبتذلة أو عرفانوية، فلا تقدم للروح والعقل شيئا إذ كلّ الحكاية الميتافيزيقية تقوم على تقديم وعود وترهيب من سعير جهنّم وترغيب في نعم الجنّة. ولكنّ الأخطر أن يستمرّ هؤلاء في فرض أيديولوجية الغيب وتحويلها إلى برنامج سياسيّ دنيويّ بل إلى ثقافة عامة لن نجني منها سوى المآزق و الخيبات ومزيد من الاحتباس العقلاني.

7