الإسلاميون العرب والنموذج الإيراني

انبهار الإسلاميين العرب بالنّموذج الإيراني جعلهم يروّجون للمذهب الشيعي من باب السياسة من خلال تناسي الجانب العقدي للتشيع السياسي. فجعلوا الخميني مرجعية دينية لهم، ودون وعي منهم غابت معادلة السنة والشيعة المميزة للصراع السياسي والخلاف العقدي في أدبياتهم. فالخلاف ما بين المذهبين غاص في أعماق الانبهار بنموذج الوليّ الفقيه، وهذا ما عبر عنه أصحاب حركات الإسلام السياسي السني وحركتهم التي ولدوا من رحمها ألا وهي حركة الإخوان المسلمين حيث أن العلاقة ممتدة ما بين الخميني والبنّا إلى ثلاثينات القرن العشرين.
الأربعاء 2015/05/06
الإسلام السياسي السني روج للتمذهب الطائفي الإيراني

لعبت الحركات الإسلامية في العالم العربي دورا رئيسيا في الترويج للنموذج الإيراني منذ قيام الثورة الشيعية الخمينية عام 1979؛ فقد رأت هذه الجماعات في الثورة الإيرانية نموذجا قابلا للتقليد، كما أعطتها البرهان السياسي على أن وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم في الدول العربية أصبح ممكنا بدرجة كبيرة.

بالرغم من أن العلاقات بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبين الخميني والتشيع السياسي تعود إلى عقود خلت، كما كشف ذلك ثروت الخرباوي، القيادي الإخواني المنشق، من خلال وثيقة تؤكد قيام الخميني بزيارة للمقر العام للإخوان المسلمين في القاهرة عام 1938، إلا أن الحديث عن”نموذج إيراني” في الثورة بالنسبة إلى الجماعات الإسلامية لم يظهر إلا بعد إنجاز الخميني لثورته، في نهاية السبعينات من القرن الماضي.

لقد شكلت الثورة الإيرانية مصدر إلهام للعديد من زعماء الحركات الإسلامية العربية، الذين رأوا فيها انتصارا للنموذج الديني في السلطة، وتأكيدا على قدرة الدين على الحشد الجماهيري في العالم العربي، خاصة وأن تلك الثورة الشيعية حصلت في ظل الاستقطاب الدولي بين المعسكرين الليبرالي والاشتراكي، حيث أن الإسلاميين شعروا بأن الإسلام يمكن أن يشكل قطبا ثالثا في التزاحم الدولي.

والمفارقة الرئيسية التي تسترعي انتباه المحلل هي أن الحركات الإسلامية في العالم العربي ساهمت بقدر وافر في الترويج للتشيع السياسي عربيا، من خلال الترويج للثورة الإيرانية بوصفها حالة نموذجية في التاريخ الإسلامي الحديث، من منطلق عقائدي، إضافة إلى تسويق صورة الخميني كشخص ذي كاريزما دينية وسياسية خاصة.

الحركات الإسلامية العربية ساهمت في الترويج للتشيع السياسي، من خلال الترويج للثورة الإيرانية

لكن النقطة الجوهرية أن الإسلاميين العرب، في احتفائهم الكبير بالثورة الإيرانية، لم يعيروا أيّ اهتمام إلى البعد العقدي الشيعي في تلك الثورة. فقد غلّبوا الجوانب السياسية، المرتبطة بالتغيير والثورة والإصلاح، على البعد العقائدي المرتبط بالفكر الشيعي الذي يضع تلك الثورة ضمن المنظومة العقائدية الشيعية، التي تتحدث عن عودة الإمام المهدي وولاية الفقيه واستئناف أهل البيت لسلطة سياسية اغتصبت منهم، منذ فجر التاريخ الإسلامي؛ وهكذا تم، بطريقة غير مباشرة، الترويج للمذهب الشيعي من مدخل سياسي.

وصل الحماس ببعض رموز الحركات الإسلامية في مستهل الثمانينات من القرن الماضي إلى الرفع من مكانة الخميني كمرجعية دينية لمختلف الحركات الإسلامية في العالم العربي، وقد فعلوا ذلك من دون استحضار المعادلة السنية ـ الشيعية في الصراع السياسي، والخلاف العقدي. فراشد الغنوشي مثلا، وقد كان وقتها زعيما لحركة “الاتجاه الإسلامي” التونسية قبل أن تغير اسمها لاحقا إلى”حركة النهضة”، كتب في عام 1981 مقالا يعتبر فيه أن الخميني واحد من المجددين في الدين، الذين ينطبق عليهم حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الشهير حول التجديد الديني على رأس كل مئة عام، ووضع الزعيم الشيعي الإيراني إلى جانب حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المصرية، كقائديْن وملهميْن للحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.

وفي سوريا كتب سعيد حوى، زعيم جماعة الإخوان المسلمين السورية، كتيّبا صغيرا احتفى فيه، أيّما احتفاء، بالثورة الإيرانية، واعتبرها بمثابة سبق في التاريخ الإسلامي الحديث، توصل إلى إنشاء دولة على أساس ديني. أما في المغرب، فقد كتب الشيخ عبدالسلام ياسين، مؤسس جماعة العدل والإحسان ومرشدها، يمتدح الثورة الإيرانية ويعتبرها نجاحا للحركات الإسلامية قاطبة، بل إنه استرشد بالنموذج الخميني في صياغة بعض أدبياته السياسية؛ بيد أنه في السنوات الأخيرة من عمره عاد وانتقد النموذج الإيراني في الحكم، المستند على مرجعية سياسية شيعية متعصبة لأهل البيت.

ويمكن القول إن عبدالسلام ياسين كان من بين القلائل الذين تجرأوا على انتقاد الفلسفة السياسية في الحكم لدى الشيعة الإثني عشرية؛ فقد رأى أن منصب الولي الفقيه مناقض للشورى والديمقراطية، واعتبر أن النموذج السياسي الإيراني يتعارض كليا مع النموذج الإسلامي في سياسة الدولة.

13