الإسلاميون بحثوا عن زعامة شعبية بنكهة ناصرية ولم يجدوها

الوقوف عند ذكرى ولادة جمال عبدالناصر، جعل الكثير من المحللين يفتحون شهيتهم على مقاربات ومقارنات، بين المرحلة الحالية في مصر ومرحلة الزعيم المصري الراحل، لما في ذلك من تشابه المعطيات وتقارب الأسباب حول مشكلة الإخوان المسلمين ومراوغاتهم مع السلطة.
الأربعاء 2017/01/18
الشارع المصري قال كلمته والإخوان يتعنتون

القاهرة – في الوقت الذي يرى فيه قادة جماعة الإخوان المسلمين، جماعتهم تنهار، بعد ما يقرب من القرن على تأسيسها، احتفل المصريون بالذكرى الـ99 لميلاد جمال عبدالناصر، الذي مازال الكثيرون منهم يعتبرونه زعيمهم.

حرص عبدالناصر على مهادنة الجماعة، محاولا ترويضها، وكانت رؤيته أن الدول الغربية لن تقبلَ بتصدر الإخوان للمشهد السياسي، لذلك عرضَ عليهم العمل تحت عنوان “هيئة التحرير”، وهي التنظيم الشعبي الذي ضم الكثير من القوى الوطنية.

ويرى خبراء في الحركات الإسلامية أن الزعيم المصري الراحل، أراد دمج الإخوان في الدولة، بمنحهم الجانب الشعبي لخدمة الثقافة الإسلامية، ولذلك اختارَ لهم حقيبة الأوقاف، واقتنع الشيخ أحمد حسن الباقوري الذي كان وكيلًا للمرشد، فقبل الوزارة، فسارع الإخوان إلى فصله من التنظيم، وسعوا للمساومة، وطلبوا عودة الضباط إلى الثكنات صاغرين.

ويقول مختار نوح، القيادي السابق بجماعة الإخوان، إن عبدالناصر فشل في إحراز التحالف مع قيادة الإخوان، التي اختارت المناورة، بعد أن رفضت حل تشكيلات الإخوان في الجيش وحل الجهاز السري، وشدد على عمق رؤية عبدالناصر “التوافقية”، والتي أصر عليها، فتحالف مع بعض رموز الجماعة الذين ساندوه في مشروعه، وقد وجد أنه لا مبرر لبقاء التشكيلات العسكرية والسرية للإخوان بعد قيام الثورة.

وكان هناك قطاع داخل الإخوان، مع فكرة التكامل مع عبدالناصر والثورة، لكن إرادة القيادة المتمثلة في المستشار حسن الهضيبي، أعاقتهم، واختار الهضيبي النزاع حتى النهاية.

أكد المؤرخ المصري، عاصم الدسوقي، لـ“العرب” أن الإخوان أرادوا الوصاية والتحكم في القرارات المصيرية، أو الانقلاب والاستيلاء على السلطة بالقوة، فكان تخوينهم لعبدالناصر، وإشاعة أنه “عدو للإسلام”، عندما رفض مطالبهم، ثم دبروا محاولة الانقلاب بالتعاون مع ضباط كان ولاؤهم لمحمد نجيب، وحاولوا اغتياله بالإسكندرية.

كانت الثورة، بحسب قناعات عبدالناصر، أكبر من أن ينجزها تنظيم واحد، لذلك شرع في تشكيل تنظيم “الضباط الأحرار” داخل الجيش، الذي تألف من عدة تنظيمات، وهو ما خالف رغبة قادة الإخوان في أن تظل الجماعة هي التنظيم الأوحد.

واستهدفت جماعة الإخوان عبدالناصر لأنه كان مسؤولا عن تشكيلات الإخوان بالجيش، ومعه أسرار التنظيم، والعضو الذي يكون على هذا المستوى، ثم يتركهم، يجب أن يُخلى سبيله، أي قتله حسب المعنى الحركي، وهذا ما أوضحه محمود الصباغ، في كتاب “التنظيم الخاص”.

وبعد حله الجماعة، إثر الصراع مع الهضيبى، أراد عبدالناصر أن يطمئن الناس، بأنه ليس في خصومة مع “الإسلام”، وإنما الأمر يتعلق بصراع سياسي، فتوجه بعد أيام من إصداره لقرار الحل إلى قبر حسن البنا، وخطب أمام القبر.

عبدالناصر أسند للإخوان حقيبة الأوقاف، واقتنع الشيخ الباقوري الذي كان وكيلا للمرشد، فسارع الإخوان إلى فصله

وقص عبدالناصر على مصطفى السباعي، “مسؤول إخوان سوريا”، وقائع الصراع مع الإخوان، فقال له السباعي “إن الوحدة العربية عندي هي عودة الروح للإسلام، وألتمس منك أن أخرج معك لنزور قبر صلاح الدين في دمشق، لتقول نقيض ما قاله ‘غورو’ القائد الفرنسي حين دخل دمشق مع قواته ‘ها قد عدنا يا صلاح الدين'”.

وبالفعل، ألقى عبدالناصر خطابه أمام قبر صلاح الدين فقال “لقد قامت في الشرق دولة، لا شرقية ولا غربية، تحمى ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تشد من أزر الصديق، وترد كيد العدو”.

وذهب خبراء إلى أن المنهج الذي رسمه عبدالناصر للجماعة كان الأصوب، وأنها لو كانت سارت عليه لما انهارت، وهنا فإن الوقائع والأحداث بين ما حدث اليوم وما حدث في خمسينات وستينات القرن الماضي مرتبطة ببعضها.

ورؤية عبدالناصر، والتي تمثلت في حل الجماعة، و ضرورة اندماجها في الدولة، لو كان الإخوان قبلوها، فإنها كانت ستحميهم مما حدث لهم بعد 60 عاما، عندما أصروا، إثر صعودهم للسلطة، عام 2012، على إدخال الدولة في التنظيم (وليس دمج التنظيم في الدولة).

وهناك خبراء يفسرون تشبث الإخوان غير المبرر بالتنظيم، حتى بعد الوصول إلى السلطة، وزعامة الدولة وأن التنظيمَ صارَ غاية في حد ذاته.

ولم يفهم إخوان هذه الأيام رؤية عبدالناصر، ولم يستفيدوا من تجربتهم معه، وانصب جهدهم على المُكايدة والثأر، سعيا لخلق “عبدالناصر” جديد بنكهة إسلامية، من باب إثبات أن لدى الإسلاميين زعامة تفوق زعامة الناصريين، فضلا عن الرغبة في إقصاء المؤسسة العسكرية، التي أقصتهم سابقا، دون النظر إلى أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة المنظمة القائمة في الدولة.

وفي سياق واقع إقليمي، تتفوق فيه الروابط الأسرية والمذهبية على الروابط الوطنية والقومية، مع انكسار العالم العربي أمام الألعاب الدولية والإيرانية والتركية والإسرائيلية، لم يستطع الإخوان- وهم في السلطة- التوفيق بين دورهم في مصر وبين دور مصر العربي، ودعا محمد مرسي نظامَ بشار الأسد للرحيل، كما نظّم مؤتمر “نصرة سوريا”، ذا الطابع المذهبي، ليلعب هو دور عبدالناصر الإسلامي، دون النظر إلى خطورة جر مصر إلى صراع أيديولوجي، على حساب مصلحة الأمن القومي المصري والعربي.

ويقارب مفكرون بين ما حدث في 30 يونيو 2013، وبين ثورة يوليو 1952، ويشيرون إلى أن الرؤية الوطنية المصرية، تحرص على عدم انهيار البناء الحضاري والاجتماعي، بمسار حاد وباتر، ولكن التطور يتم من خلال رؤية إصلاحية سلمية.

ويعد محللون العنف الذي هدد المجتمع المصري، قبل قيام ثورة 1952، والمتمثل في الاغتيالات السياسية، وزرع القنابل، من جنس العنف الذي هدد المجتمع، قبل تدخل الجيش في يناير 2011 ويونيو 2013، وهو عنف يؤدي إلى سيادة صراع الأضداد، طبقيا وفكريا، ويعرّض المجتمع للانشطار.

ويرون أن تدخل الجيش في الخمسينات ضد العنف اليساري، وفوضى العنف الطبقي، كان سعيا لوقف وتجميد المسارات الانشطارية العنيفة، سواء ماركسية أو إسلامية، لينفتح المجال للطبقة الوسطى وللحل التوفيقي السلمي.

واستنادا لهذا التصور، قال جمال عبدالناصر، الذي أجبر الماركسيين من جهة والإسلاميين من جهة أخرى على التراجع، “بدأنا نرسم الخطوط الأولى في الصورة التي تحققت مساء 23 يوليو؛ ثورة منبعثة من قلب الشعب، حاملة لأمانيه، مكملة نفس الخطوات التي خطاها من قبل، على طريق مستقبله”.

13