الإسلاميون في انتخابات الكويت: خسارة تعادل بداية انهيار مشروع كامل

الناخب الكويتي يختار طريق الانفتاح والتحديث والانتماء الوطني والخليجي، والمنطقة تتخلص من أثقال الإسلام السياسي.
الثلاثاء 2019/03/19
لا مجال لاستخدام منبر البرلمان لخدمة أجندات لا وطنية

تحمل خسارة الإسلاميين في الانتخابات التكميلية لمجلس الأمة الكويتي أخبارا غير سارة لأنصار التيارات الإسلامية، في الكويت، وفي عموم المنطقة. فبهذه الخسارة سقط حجر آخر من الجدار الإخواني الذي فشل في أن يبقى صامدا. كما أن الخسارة في الكويت مزدوجة، فللإسلاميين، إخوانا وسلفيين، حضور تاريخي ونفوذ واسع، وانقلاب الشارع عليهم لا يبشر بخير، خاصة وأن تراجع حضور تيارات الإسلام السياسي في الكويت يأتي منطقيا ومنسجما مع تراجعها في المنطقة وفي العالم أجمع.

الكويت - تلقى تحالف السلفيين والإخوان المسلمين والسلفيين في الكويت خسارة فادحة في الانتخابات التكميلية لمجلس الأمة (البرلمان)، التي أجريت السبت الماضي. عكست هذه الخسارة، التي لا يمكن الاستهانة بها، مزاجا كويتيا وطنيا اختار الابتعاد عن الأيديولوجيات والأجندة الموجّهة، وهي خطوة أولى في طريق تقليص النفوذ الإخواني في المشهد السياسي الكويتي.

فشلت الأحزاب الإسلامية في لعب الورقة التي تعودت عليها وتغلب الحس الوطني الكويتي على مراهناتها العاطفية وانتصر لمرشحين معتدلين يريدون للوطن حصته في المجتمع والسياسة، لذلك اختار أن يسير عكس تيار الأحزاب الإسلامية التي قدمت نفسها على ثلاثة محاور، كإسلاميين أولا ومعارضة سياسية ثانيا وتكتلات قبلية ثالثا.

المسار الوطني

أظهرت الانتخابات التكميلية لمجلس الأمة الكويتي وعيا متزايدا لدى الكويتيين بخطورة ترك المسار الوطني للالتحاق بمسيرة سياسية تقود إلى الدوحة أو إسطنبول أو طهران. وفضّل الكويتيون التصويت لمستقلين يمثلونهم في مجلس الأمة وليس لتلك التيارات التي تمد خيوطها مرة أخوانية ومرة سلفية وأخرى خامنئية.

يرتبط هذا المزاج الكويتي المتغير، بما شهدته البلاد من اضطرابات واختلال في التوازن بين السلطتين التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة) على خلفية مناكفات وخلافات على مسائل اقتصادية ذات امتدادات اجتماعية.

وأدت سلسلة من الأزمات السياسية التي شهدتها الكويت، منذ منتصف عام 2006، إلى حل مجلس الأمّة أكثر من مرة. ومن بين أسباب هذه الأزمات سياسة التقشف التي فرضتها الخطط الإصلاحية.

أيضا يمكن اكتشاف هذا التغيير من خلال صعود الشباب إلى البرلمان ما يؤكد أن جيلا آخر بدأ يشق طريقه إلى المشهد السياسي، على مستوى المنتخبين والناخبين، الذين انطلقوا في تقييمهم للمرشحين من سؤال ماذا فعلت هذه التيارات الإسلامية خلال وجودها في البرلمان الكويتي على مدى سنوات طويلة؟

ليتبين أن النواب الموالين لهذه التيارات كانوا المعرقل الأساس للسياسات والخطط الحكومية للتنمية. لم يتوقفوا يوما عن معارضة كل مشروع تحديث وخطة إعمار. ولم يتذكر الناخبون الكويتيون من إنجازات المرشحين الإسلاميين، جمعان الحربش ووليد الطبطبائي، غير أنهما ضمن مجموعة من الأشخاص الذين قاموا باقتحام مبنى البرلمان سنة 2011.

وكانت الكويت شهدت في تلك السنة بعض الاضطرابات وقف وراءها إسلاميون، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين الممثّلة في الكويت بـ“جمعية الإصلاح” التي ينتمي إليها الحربش، في محاولة لجر الساحة الكويتية نحو فوضى “الربيع العربي”.

كشفت نتيجة الانتخابات أن الكويتيين أصبحوا اليوم على بينة أكثر بخطورة هذه التيارات المتأسلمة، وكيف أنها تحركت في بداية الربيع العربي لزرع الاضطراب في البلاد والاستثمار في القلق، بعيدا عن الحد الأدنى من الالتزام الوطني للفرد الحريص على بلده.

لكن الكويت ليست في حاجة إلى كل هذا، لذلك رد الكويتيون بـ”لا” حاسمة جاءت في لحظات مصيرية في المنطقة، إذ تروي، من ضمن ما ترويه، أن مشروع الانفتاح والتحديث الذي تقوده السعودية والإمارات، لديه ما يكفي من المناصرين في دول خليجية أخرى لكي يتأثروا به ويندفعوا إلى عكس التيار الذي استفاد من فوضى الربيع العربي. ما تحتاجه المنطقة هو تنمية وتعليم ومشاركة اجتماعية ووعي، وليس إلى تحريض وفتن.

نتائج الانتخابات التكميلية هي بداية مسار جديد ستكشف الأيام عن وجهاته الجديدة صوب كويت جديدة غير بعيدة عن السعودية الجديدة

كشف الكويتيون من ضمن ما كشفوا في تصويتهم على استبعاد الإسلاميين من السياسة، أن هؤلاء على تنوعهم إنما هم أقنعة لفكر إخواني واحد. لا يمتهنون السياسة إلا للوصول إلى الحكم وتغيير طبيعة المجتمعات.

يقول النائب السابق في مجلس الأمة الكويتي، ناصر الدويلة، إن التيار الإسلامي في الكويت يختلف نسبيا عن التيارات المشابهة في الدول الأخرى، وإن تراجعه في الانتخابات الأخيرة سيدفعه إلى تنظيم صفوفه بشكل أكبر، بحيث يتدارك الخسارة الحالية.

لكن الكويتيين وهم يختارون الشخصيات الوطنية سألوا أنفسهم: هل نريد أن نترك الإسلاميين لسنوات أخرى يعرقلون كل شيء لا يتطابق مع مصالح وتوجيهات التنظيم العالمي؟ مرة أخرى كانت الـ”لا” واضحة وحاسمة.

الذي حدث في الكويت ليس مفترق طرق للمجتمع الكويتي، بل هو تغيير نحو مسار الخيارات الوطنية الصحيحة التي تحتاجها الكويت ودول المنطقة ككل. من هنا يضع بعض المراقبين نتيجة الانتخابات التكميلية في الكويت ضمن صورة أوسع تأخذ في الاعتبار تبدل المزاج العربي وتوقه لإرساء استقرار داخل المجتمعات يقوم على الوسطية والاعتدال والتفكير الوسطي بعد تجربة قصيرة مع الإسلاميين كانت كافية لتكشف ما يبطنون. 

وتربط مراجع في الكويت نتائج الانتخابات التكميلية الأخيرة بتحولات جرت داخل المجتمع الكويتي نفسه، بحيث بات تواقا لحرمان جماعات الإسلام السياسي من أي بيئة حاضنة تبرر تمثيلا لتلك الجماعات التابعة عمليا وعضويا لأجندات خارجية داخل المنابر السياسية الكبرى في الكويت.

باتت حاجات الأمن والطمأنينة والاستقرار في وعي العامة، ولتحقيقها يجب التخلص من كل ما من شأنه تهديد السلم الأهلي وإبعاد الكويت عن واقعه الخليجي وشروطه داخل البيت الخليجي الكبير.

أفول نجم الإسلاميين

المتابع لسير الأحداث، يرى أن النموذج الكويتي يتكرر، وإن بصور مختلفة، في المنطقة التي تتخلص يوما بعد يوم من الأثقال العقائدية التي أنهكها بها الإسلام السياسي، سواء بالنسخة السنية التي يقدم تنظيم الإخوان المسلمين واجهاتها أو بالنسخة الشيعية التي قادتها إيران مستخدمة أذرعها المذهبية في كافة البلدان العربية.

شهدت المنطقة انهيارا كاملا للتيارات الجهادية سواء بنسخة داعش أو القاعدة. وعمل العالم بأجمعه على ضرب آفة باتت تهدد الأمن الدولي بعد أن تمكنت من تدمير مدن ومجتمعات في المنطقة. وهذا الموقف الدولي، الذي أتى متأخرا عن الموقف العربي في هذا الشأن، يسحب البساط من تحت أرجل فكر متطرف لطالما نهل من الأدبيات الإخوانية في هذا الشأن.

وغض العالم الغربي الطرف عن المشروع الإخواني بصفته تارة سدا لتطرف الجماعات الجهادية وتارة أخرى نقيضا لمشروع الإسلام السياسي الشيعي الذي ترعاه إيران، لكنه أدرك مدى التواطؤ الحقيقي الذي يجري بين الإخوان والجماعات وإيران، ولم يعد في الإمكان التستر أو الصمت.

وتعتقد مراجع سياسية كويتية أن الانتخابات التكميلية أعطت نموذجا عن التحول داخل مزاج الناخب الكويتي، وأن ذلك سيؤسس لتغير المشهد السياسي الكويتي برمته.

وقالت إن رياح الانفتاح التي تنفخ بها السعودية منذ تبوء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز العرش والذهاب إلى القطيعة مع عهد “الصحوة” الذي هيمن على المنطقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران قد نزعت أي غطاء أيديولوجي وسياسي عن العقائد المتطرفة التي كانت تسوق في الخليج وفي الكويت خصوصا.

وساهم الحصار الذي يتعرض له التطرف الإيراني من قبل المجتمع الدولي كما تضعضع الرعاية القطرية التركية لكل تيارات الإسلام السياسي في العالم، في استعادة الكويت لخصوصيتها وقواعد مجتمعها على نحو يسقط كافة الأفكار المستوردة والتي لا تتسق مع ثقافة وتقاليد الكويتيين.

نتائج الانتخابات التكميلية هي بداية مسار جديد ستكشف الأيام عن وجهاته الجديدة صوب كويت جديدة غير بعيدة عن السعودية الجديدة.

7