الإسلاميون في تونس في مرمى الغضب الشعبي

التصريحات الالتفافية لقياديين من حركة النهضة لم توقف حملة تصوّر الإسلاميين في صورة قطاع طرق، همّهم الوحيد تحويل ميزانية الدولة إلى حسابهم الخاص في وقت يخوض فيه التونسيون حملة لتوفير لقاحات وأجهزة إنعاش.
الخميس 2021/07/15
تحت سيطرة ثقافة التنظيم العابر للدول

يتقن الإسلاميون عادة لعبة تشتيت التركيز الشعبي على القضايا المهمّة من خلال خلق قضايا ثانوية يتم جر الناس لمناقشتها وتوليد قضايا جزئية أخرى للابتعاد عن القضية التي تراكم غضبهم أو تدفعهم إلى التحرك الاحتجاجي.

وفي قمة الغضب الشعبي على ضعف أداء حكومة هشام المشيشي في مواجهة الأزمة الصحية، ألقت حركة النهضة بموضوع الحكومة السياسية مرسلة بإشارات إلى المعارضة بهدف إغرائها بشراكة جديدة في الحكم على شاكلة حكومة إلياس الفخفاخ وإعادة بناء “حزام ثوري” من حول الرئيس قيس سعيد.

لم يكن التفاعل ذا قيمة من الخصوم السياسيين، ولم يعط الرئيس سعيد أي إشارة عن تفاعله مع حكومة تعيد خلط الأوراق وتعطي حركة النهضة فرصة جديدة للمناورة لتعود أقوى في مواجهته. كما لم توجه أحزاب المعارضة (حركة الشعب والتيار الديمقراطي) بأي إيحاء يمكن أن يفهم منه أنها ستمد اليد مرة أخرى لحركة النهضة.

وعلى العكس، فإن التحالف البرلماني الحالي الداعم لحكومة المشيشي هو من اهتز من حول النهضة، وبات على شفا الانفجار خاصة مع إعلان صريح من كتلة المستقبل (18 نائبا) أنها لن تقبل بحكومة سياسية تجمع بين كتل وأحزاب متناقضة البرامج والأهداف.

وفي الوقت الذي بدا فيه أن الحكومة السياسية لا تجد أي دعم من أي جهة، وأن حركة النهضة هي فقط من يتفاعل بالتصريحات من مبادرتها، ألقى عبدالكريم الهاروني رئيس مجلس شورى حركة النهضة، بموضوع التعويضات مثل قنبلة لتنفجر في وجه الحركة وقياداتها قبل غيرهم.

الهاروني تحدث في اجتماع لغاضبين من أنصار حركة النهضة وعناصر كانت في السابق من قياداتها المحلية ممن حكم عليه بالسجن في فترة حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وأطلق رئيس مجلس شورى النهضة تصريحات قوية تحدى فيها الحكومة وتعهد بأن تفرض حركته على رئيس الحكومة تفعيل صندوق الكرامة في سقف لا يتجاوز 25 يوليو الحالي، أي في ذكرى عيد الجمهورية. وهو صندوق يقوم على فكرة تسليم الآلاف من الضحايا تعويضات مالية عما لحق بهم، وذلك ضمن رؤية أشمل لمسار العدالة الانتقالية.

ومن الواضح أن الخطاب التصعيدي للهاروني كان الهدف منه امتصاص غضب عشرات المعتصمين من المشمولين بقضية التعويضات، والذين باتوا يتهمون النهضة بخيانتهم خاصة أن موضوعهم قديم وسبق أن وعدهم قياديون في النهضة بحل المشكلة ثم تناسوهم لحسابات سياسية.

كما أن خطاب التصعيد لديه رسائل داخلية أخرى في ظل توسع دائرة الغاضبين على القيادة الحالية وتشكل تيار يضغط لأجل وقف مسار التنازلات الذي تسير فيه النهضة، ويدفعها نحو التشدد في الحكومة والعودة إلى ما يعرف بالمسار الثوري.

الهاروني كان يسعى لتطويق أزمات الداخل، فأشعل نارا خارجية تهدد بحريق يطال كل المكاسب التي حققتها من وراء مشاركتها في الحكومات التي تلت الثورة سواء بشكل مباشر أو خفي.

ليست المشكلة في مسار العدالة الانتقالية ولا في التعويضات التي أقرتها هيئة الحقيقة والكرامة، ولكن في التوقيت الذي تزامن مع وضع تواجه فيه تونس أزمة كوفيد – 19 بآليات وإمكانيات محدودة، ما حدا بنصاف بن علية المتحدثة باسم وزارة الصحة إلى إعلان أن المنظومة الصحية في البلاد قد انهارت.

وفي الوقت الذي كان الجميع يتحرك طلبا للمساعدات الخارجية لإنقاذ الآلاف من الأرواح، بدا الهاروني يتحدث في واد آخر وغير مهتم بأزمة كورونا ولا بالأزمة الاقتصادية الحادة التي تعيشها البلاد ورفض الصناديق المالية منحها أي قروض جديدة ما لم تجر إصلاحات قاسية تقوم على التقشف والتخلي التدريجي عن صندوق دعم المواد الأساسية.

وفتح الهاروني على نفسه وعلى الحركة الإسلامية مواجهة قوية تصدى لها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي وانضم لها سياسيون معروفون وجمعيات حقوقية ومدنية ومستقلون وأصدقاء لحركة النهضة، وهو ما دفع قيادات أخرى من النهضة إلى محاولة التهدئة، وبعضهم أصدر تصريحات تنفي أن يكون في خطط النهضة إثارة موضوع التعويضات، وأن كلام الهاروني فهم بالخطأ، وأن الأمر كله مجرد مؤامرة.

وقال رفيق عبدالسلام وزير الخارجية السابق في حكومة الترويكا، إن الحركة لا تفكر في أمر التعويضات، وأن ما يهم هو مواجهة أزمة الوباء. وذهب قياديون آخرون في نفس المسار بتصريحات لا تكذّب ما قاله الهاروني أو تعتبره موقفا شخصيا وتحاول أن تلتف حول تداعياته بإظهار الاهتمام البالغ بالأزمة الصحية.

لكن ذلك كله لم يشفع لوقف الحملة المضادة التي تصور الإسلاميين في صورة قطاع طرق همهم الوحيد هو تحويل ميزانية الدولة لحسابهم الخاص بقطع النظر عن أوضاع الناس في وقت كان غيرهم يخوض حملة تضامن واسعة لتوفير أسرّة وأجهزة إنعاش بالمستشفيات ويجمع التبرعات لإقامة مستشفيات محلية بالحد الأدنى من الإمكانيات لتخفيف الضغط عن المستشفيات العمومية التي لم تعد قادرة على استيعاب أعداد المصابين.

والملاحظ أن ردة الفعل الغاضبة توسعت لتشمل فئات كانت تسعى في السابق لإظهار الحياد في الصراع السياسي، حيث رفع مشاهير أصواتهم ضد ثقافة الغنيمة التي كشفت عنها تصريحات الهاروني، ولأول مرة تحدث فنانون ورياضيون ومنتجو برامج تلفزيونية بوضوح تام ورفضوا أن يتم منح أي تعويضات مطالبين بتوظيف كل إمكانيات البلاد لصالح إنقاذ الأرواح في هذه الفترة الصعبة.

صحيح أن تصريحات الهاروني غير المحسوبة قد استفاد منها خصوم النهضة ونجحوا في تحويلها إلى ورقة لمواجهتها سياسيا، وهذا أمر معهود ضمن مشهد يقوم على ردات الفعل وتصيّد الأخطاء، لكن الأهم أن جزءا واسعا من الناشطين والفاعلين الاجتماعيين والمشاهير والمواطنين العاديين قد انخرطوا لرفض ثقافة الغنيمة، واستثمار الوضع الصعب للدولة لحل أزمات داخلية.

وهذه أهم رسالة توجه إلى الإسلاميين في هذه الأزمة، ومفادها أن الشارع التونسي له عيون، وهو وإن كان يتابع الصراع السياسي بلا مبالاة، ولا يتحمس للانتخابات، ولم يعد يأمل في صعود هذا الحزب أو ذاك القيادي، لكنه يظل يقظا ويمكن أن يتحرك في أي لحظة للدفاع عن نفسه.

نار تصريحات الهاروني تهدّد بأن تحرق حركة النهضة إذا استمرت في النظر إلى نفسها على أنها جزء خارج الدولة، وأن الهدف من كل الجهود هو الإمساك بالمؤسسات وتوظيفها لخدمة الحركة ومشاريع وارتباطاتها.. هذه رسالة أخرى على أزمة الإسلاميين في المنطقة العربية، الذين يحاولون الظهور كحركات محلية والاندماج في مجتمعاتهم، لكن مع كل أزمة يكشف المتابعون أن ثقافة التنظيم العابر للدول لا تزال تتحكم فيهم.

9