الإسلاميون لا يريدون خلع "النقاب" عن مناهج التعليم الأردني

ثار الإسلاميون في مواجهة الحكومة الأردنية التي تكافح من أجل إدخال تعديلات طفيفة على المناهج الدراسية، لتحريرها من قيد التشدد الديني، لكن يبدو أن الحكومة الأردنية، بدعم من الملكة رانيا العبدالله، مصرّة على المضي قدما في تحديث عقول الطلاب الأردنيين.
الثلاثاء 2016/10/04
التعديلات.. موافقة بالإجماع

عمّان - تصاعد ضغط الإسلاميين في الأردن على الحكومة منذ أعلنت وزارة التربية والتعليم تعديل المناهج الدراسية، في مسعى لإجبار الحكومة على التراجع.

وشملت التعديلات تقليصا في الاستشهاد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وبدلا من ذلك تمّ اعتماد دروس أقرب إلى أخلاق الحياة اليومية للطالب.

ويقول الكثير من المحتجين إن وزارة التعليم في الأردن تسعى إلى “علمنة المناهج”. لكن خبراء تربويين قالوا إن أغلب المحتجين ينتمون إلى “توجه إسلامي تقوده تيارات دينية في المملكة تقف ضدّ محاولة الحكومة لتحجيم أدوارها، لأنها تستغل المناهج بوضعيتها الحالية، لتوسيع دائرة نفوذها واستقطاب الطلاب لها”.

واتهم المعارضون الحكومة بخضوعها في تغيير المناهج الدراسية لـ”توجيهات من حكومات أجنبية”.

وفي فبراير الماضي دافع وزير التربية والتعليم الأردني محمد الذنيبات عن المناهج الدراسية في بلاده، لكنه اليوم يقود “ثورة تصحيحية” أثارت غضب الإسلاميين.

وجماعة الإخوان المسلمين التي تهيمن على نقابة المعلمين في الأردن، على رأس هذه القوى التي تشكك في نوايا الحكومة، وتتهم الذنيبات بالخضوع لـ”الضغوط المفروضة على المملكة لحذف دروس بعينها”.

وفي مطلع سبتمبر الماضي قالت الملكة رانيا العبدالله، في اجتماع رسمي، إن مناهج التعليم في الأردن “أحد أسباب تخريج المملكة طلابا يفتقرون إلى مقوّمات النجاح في القرن الواحد والعشرين”، داعية إلى أن يكون إصلاح التعليم والمناهج “أولوية وطنية وشعبية لا تحتمل التأخير”.

ولا تبدو الحكومة الأردنية مستعدة للانصياع لضغوط الإسلاميين، إذ قال محمد المومني، وزير الإعلام والناطق باسم الحكومة إن المناهج الجديدة “ستطبّق، ومصممون على الاستمرار في التطوير، ووزارة التربية والتعليم سوف تقوم بإعداد مناهج جديدة بالكامل بناء على أسس علمية وتربوية تواكب مستجدات العصر”.

وتوغل الإسلاميون بالأردن في وزارة التعليم، وتمكنوا من دفع أغلب المناهج نحو صبغة دينية تعمد التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية.

وامتدّ هذا النهج إلى المقررات العلمية، كالفيزياء والأحياء والكيمياء، إذ تبدأ كل وحدة دراسية في هذه المقررات بآية قرآنية أو حديث نبوي يربـط بين العلم والدين الإسلامي.

وفي كتاب اللغة العربية المقرر للصف الأول الابتدائي، يقرّ المنهج بأن “الكتب المقدسة لأتباع الأديان السماوية الأخرى محرّفة، وأن التعايش السلمي قيمة مطلوبة بين المسلمين حصرا”.

سامي نصار: حراك الإسلاميين ضد تطوير المناهج يستهدف الحفاظ على وجودهم في المؤسسات التعليمية منذ حقبة السبعينات

ومن بين 46 درسا في كتب اللغة العربية للصفوف الثلاثة الأولى، اشتمل 20 درسا على محتوى ديني؛ ثمانية منها نصوص دينية بالكامل، كما قدم 12 درسا محتوى دينيا، هي آيات أو أحاديث نبوية تتصل بالقيم التي تطرحها الدروس.

ويزيد الاحتفاء، خصوصا في مناهج اللغة العربية، بشخصيات عسكرية إسلامية، كما يشار إلى “الآخر” في كتب التربية الإسلامية باعتباره “الكفار والروم والأعداء”.

ومن بين التعديلات على المناهج الدراسية الأردنية حذف آيات قرآنية وأحاديث يساء تفسيرها من قبل المعلمين، واستبدال حفظ البعض من الآيات بالقراءة فقط، واستبدال موضوعات دينية تعود إلى عصور قديمة بقضايا عصرية.

كما تمّ استبدال صورة أب ملتحٍ يداعب طفله، بآخر من دون لحية في الدرس نفسه، مع حذف قصص ودروس عن “الجهاد”، واستبدال درس آداب الطريق، الذي كان محوره حديث نبوي، بدرس آخر عن إشارة المرور.

وفي كتاب التربية الدينية للصف العاشر تمّ استبعاد حديث نبوي رواه البخاري، أن رسول الله (ص) قال “أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله”. وقالت مصادر أردنية إن حذف الحديث نابع من قلق المسؤولين من استغلال بعض المعلمين الإسلاميين في المدارس الحديث “لشحن الأطفال بالعنف، وتعليمهم أن يكون الإيمان عنوة مقابل سلامة الروح والمال”.

ويقول سامي نصّار، الباحث والخبير في أسس التربية والمناهج العربية لـ”العرب”، إن حراك الإسلاميين ضد تطوير المناهج “يستهدف الحفاظ على وجودهم في المؤسسات التعليمية منذ حقبة السبعينات، وأن مشاهد تديّن البعض من المدارس الأردنية وتحويلها إلى مساجد يؤم فيها المعلمون الطلاب في الصلاة، هو انعكاس لهيمنة التطرف الديني ونبذ الآخر. لا بدّ ألا يقف الأمر عند مجرد تحديث المناهج فقط”.

وأضاف لـ”العرب” إن “تحديث المناهج وحذف كل ما يحض على التطرف والتشدد والكراهية دون تغيير معايير اختيار المعلمين، ومراقبتهم داخل الفصول المدرسية، ووضع عقوبات صارمة للخروج عن النص أو بث روح التطرف عند الطلاب، لن يكون مجديا، لأن الطفل في المراحل الأولى من دراسته يتخذ المعلم قدوة له، وإذا كان المعلم متطرفا وذا انحرافات فكرية وسياسية، مثل البعض من إسلاميي الأردن، سوف تكون المخاطر على الطالب أكبر من مجرد منهج دراسي متطرف”.

ويرى مراقبون إن مؤشرات عديدة توحي بأن الحكومة الأردنية سوف تنجح في تغيير المناهج، وتتخطى غضبة الإسلاميين والناشطين المعارضين، أهمها أن نسبة كبيرة من المجتمع الأردني تشعر بخطر المناهج الحالية على الأجيال الجديدة بعد تنامي ظاهرة التطرف والتشدد الديني بالمنطقة، ما يعني أن هناك تأييدا مجتمعيا لهذا الحراك، فضلا عن مباركة الملكة رانيا العبدالله لحداثة المناهج.

كما يمنح تصدّر الإسلاميين للمشهد الرافض للحكومة حافزا أكبر للمضي قدما نحو تجنب الإحراج الداخلي والخارجي، بأنها هُزمت في معركة تجفيف منابع التطرف بالمناهج أمام الإسلاميين في الأردن.

17