الإسلاميون والدفاع عن الأزهر.. دفاع يُراد به استرجاع المواقع

أهمية مؤسسة الأزهر في العالم العربي الإسلامي وفي مصر جعلتها دائما محط الأنظار سواء من ناحية علاقتها بالسلطة أو من موقفها من مسألة الخطاب الديني. الأزهر الذي كان يفترض أن ينأى بنفسه عن كل تيارات الإسلام السياسي، وجد نفسه مؤخرا وسط حملة دشّنتها التيارات الإسلامية التي سعت إلى الركوب على الخلاف بينه وبين مؤسسة الرئاسة لتسويق حملة تدّعي الذود عن الأزهر لكنها تسعى من خلالها للعودة إلى الساحة السياسية.
الجمعة 2017/05/05
الإخوان استغلوا سنة الحكم للسيطرة على الأزهر

قال خبراء في شؤون الإسلام السياسي في مصر إن الجماعات الإسلامية عثرت أخيرا على طوق نجاة يخرجها من أزمتها ويعيدها إلى المشهد لتسترد جزءا من جماهيريتها المنهارة، وأوضحوا أن هذا الطوق هو اللعب على وتر ما يتردد عن وجود خلاف بين مؤسسة الرئاسة المصرية والأزهر في ملف تجديد الخطاب الديني.

ووجد تيار الإسلام السياسي في احتقان علاقة المؤسستين (الرئاسة والأزهر) وهجوم البعض من الإعلاميين على المؤسسة الدينية فرصة لتسويق نفسه جماهيريا من جديد، وبدا واضحا تصميم جماعة الإخوان على استخدام الأزهر كجسر لإعادة الحياة إليها، بادعاء اصطفافها خلف قيادته ورفع رايتها كمحاربة باسمها بديلا عن المرشد وشعار “الإسلام هو الحل” في مواجهة من تتهمهم زورا وبهتانا بالسعي إلى هدم الدين وثوابته.

وكان لافتا أن جماعة الإخوان وغالبية جماعات الإسلام السياسي تحولت من الهجوم على الأزهر بعد 30 يونيو 2013 إلى الدفاع عنه، حتى أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين- الذي يرأسه يوسف القرضاوي- أصدر بيانا أعلن فيه تضامنه مع شيخ الأزهر، بينما قالت “الجماعة الإسلامية” إنها بصدد تنظيم مؤتمر في إسطنبول بتركيا لنصرته، وأعلنت لجنتها الإعلامية أنها ستنظم ندوات بالمحافظات المصرية تلقي خلالها الخطب لتحقيق هذه “النصرة” ضد ما أسمته بالهجمة الشرسة ضده.

ودأب إعلام جماعة الإخوان في الخارج طوال السنوات الثلاث الماضية على إذاعة أخبار حصرية على ألسنة أشخاص كانوا في السابق يتولون مناصب، سواء في الأزهر أو في الأوقاف في عهد حكم الإخوان، تتعلق بما يدور في الكواليس داخل المشيخة وأسرار التجاذبات بين الرئاسة والشيخ أحمد الطيب، وهو ما اعتبره البعض شاهدا على وجود قنوات اتصال مفتوحة بين قيادات هذه الجماعات بالخارج وشخصيات في قلب الأزهر تسرّب تلك المعلومات.

ماهر فرغلي: التغيير بالأزهر بات وشيكا على الرغم من أن ملف التجديد الديني ليس على هوى الكثيرين داخل المؤسسة من مؤيدي جماعة الإخوان

مشيخة الأزهر من ناحيتها لم تتذرع بالصمت بل بدت قريبة مع صحف وكُتّاب مقربين من جماعات الإسلام السياسي، وأرسلت للبعض منهم دعوات لحضور مؤتمر الأزهر للسلام العالمي الأخير الذي شارك فيه بابا الفاتيكان، وهو ما علّله مراقبون برغبة قيادات الأزهر في تدشين حملة موسعة مضادة لما يتعرض له شيخ الأزهر من هجوم إعلامي.

البعض من السياسيين رأى في هذه التطورات تعطيلا لما خطط له الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بتصدر مشهد الإصلاح الديني سعيا إلى تجريد التنظيمات المسلحة التكفيرية من تبريراتها وذرائعها الدينية وحمْل الأزهر على التصويب في هذا الاتجاه، وقالوا إن هذا التعطيل يصنع اصطفافا وتماهيا- وصفوه بالكارثي- بين الأزهر وجماعات الإسلام السياسي.

لجوء المشيخة إلى الصمت حيال تلك المواقف معناه تمرير ركوب تيار الإسلام السياسي لهذه الموجة، وهو ما سيقوي جماعة الإخوان ويتيح لها تحصيل قوة دعم هائلة في صراعها ضد النظام السياسي، وهو ما اعتبره الكثيرون مؤشرا قويا على النهاية الفعلية للشيخ الطيب في منصبه الحالي.

حملة الإسلام السياسي الداعمة لشيخ الأزهر ربما تعجّل بسقوطه، وهو الذي تخطى عدة أزمات وتغلب على جملة من المحاولات حملت الرغبة في إقصائه من منصبه، وظل يخرج من الأزمات أكثر قوة منذ تداعيات بيان رابعة عام 2013 الذي أوغر صدر السلطة ضده، وحتى بيان هيئة كبار العلماء الهجومي ردا على مطالبات بتعديل مناهج الأزهر.

حسين القاضي، الباحث في شؤون الأزهر، أرجع سبب الأزمة إلى اختراق مؤسسة الأزهر من قبل السلفيين والإخوان، وشدد في تصريح لـ”العرب” على أن الذي يدير مؤسسة الأزهر فعليا هو مستشار شيخ الأزهر القانوني الشاب محمد عبدالسلام، وهو أحد أسباب تجميد الأوضاع بالأزهر والحيلولة دون إحداث تطوير وتغيير ملموس.

على ضوء الاحتقان -المعلن منه والخفي أيضا- بين الرئاسة ومشيخة الأزهر على مدار ثلاث سنوات، والذي ينطوي على مؤشرات واضحة على أن الرئيس غير راض على أسلوب تعاطي الأزهر مع ملفات عدة، رأى مراقبون أن موقف الأزهر من رموز الإسلام السياسي، سواء ممن هم داخل المؤسسة من المتعاطفين معه أو من هم خارجها، هو الملف الأكثر حساسية وخطورة والمرشح ليكون السبب الرئيس في حسم قضية تعديلات قانون الأزهر المثيرة للجدل.

وتصطدم الرغبة في تمرير المشروع، الذي يسمح في النهاية بإدخال الأزهر في عباءة السلطة والتقليل من صلاحيات شيخ الأزهر وتحديد مدة ولايته، بالهاجس الجماهيري الذي ضخمته مقولات تربط بين التجديد وبين الحرب على الثوابت ودخول تيار الإسلام السياسي الصراع بجانب شيخ الأزهر وهيئة كبار العلماء.

التجديد الديني ليس على هوى الكثيرين داخل الأزهر من مؤيدي جماعة الإخوان ومتبني الخط السلفي المتشدد

البعض من نواب البرلمان تراجع مؤخرا عن دعم مشروع القانون المقترح من النائب محمد أبوحامد، ولعبت المنافذ الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان دورا مهمّا في تكتيل رأي عام مناهض للقانون، وعادت نغمة كون الأزهر وجماعة الإخوان وجهين لعملة واحدة للدفاع عن ثوابت الإسلام تتردد من جديد.

القانون المقترح يحدد مدة ولاية شيخ الأزهر، وهو ما يعني رحيله عن المنصب مع بداية العام المقبل، حيث يحدد القانون مدة ولايته بست سنوات مع جواز إعادة انتخابه لمرة واحدة فقط، كما أن القانون يمنح الكثير من صلاحيات شيخ الأزهر لرئيس جامعة الأزهر الذي يعيّنه رئيس الجمهورية.

وتقطع المادة الثامنة الطريق أمام اختيار الطيب مجددا، حيث تنص على تعيين شيخ الأزهر من ضمن ثلاثة ترشحهم هيئة كبار العلماء، فضلا عن ضم مجمع البحوث الإسلامية لهيئة كبار العلماء للمشاركة في التصويت على أسماء الثلاثة المختارين، ومعروف عن مجمع البحوث أنه يضم نخبا من خارج الأزهر في تخصصات شتى.

وجهة النظر الداعمة لتمرير القانون وإقراره، على الرغم من تزايد الأصوات الرافضة له والتخوف من ردة فعل سلبية من الشارع المحافظ، تصف التغيير بالحتمي، وأنه قد حان أوانه حيث لم يعد الأمر مقتصرا على اختطاف قرار مؤسسة الأزهر من داخلها من جانب الكتلة الإخوانية والسلفية المهيمنة، بل الأخطر هو اختطاف جماعات الإسلام السياسي للمؤسسة وتوجيهها كأداة وازنة في صراعها على السلطة.

أوضح ماهر فرغلي، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أن قرار تعيين 63333 إخوانيا في مؤسسة الأزهر تم أثناء رئاسة عصام شرف للحكومة المصرية إبان حكم الإخوان لمصر إرضاء للجماعة بدفع من القيادي الإسلامي صفوت حجازي الذي شغل منصب المستشار الديني لرئيس الحكومة آنذاك. وكشف فرغلي أن البعض من داخل هيئة كبار العلماء ومستشاري شيخ الأزهر كان ومازالوا إما إخوانا وإما ينتمون إلى جماعات تكفيرية وجهادية، وحتى الذين لا ينتمون تنظيميا إلى جماعات هم أصوليون يتبعون النهج السلفي المتشدد.

وشدد في تصريح لـ“العرب” على أن التغيير بالأزهر بات وشيكا على الرغم من أن ملف التجديد الديني ليس على هوى الكثيرين داخل المؤسسة من مؤيدي جماعة الإخوان ومتبني الخط السلفي المتشدد وخارجها.

مصادر سياسية ألمحت إلى أن التغيير قد بدأ فعليا بتصعيد أسامة الأزهري المحسوب على تيار علي جمعة كمستشار لرئيس الجمهورية ووكيل للجنة الدينية بالبرلمان، وكانت قيادة الأزهر قد منعت الأزهري من حضور فعاليات مؤتمر السلام الأخير، حيث تنظر إلى نشاطه على أنه مؤشر قوي على مسعى التغيير القادم.

وفيما يرى البعض أن شوقي علام مفتي الجمهورية الحالي الشخصية الأقرب لخلافة الطيب، ذهب آخرون إلى ترجيح حظوظ علي جمعة المفتي الأسبق الذي يمتلك مؤهلات في نظر السلطة الحالية تجعله المناسب لتولي منصب المشيخة في المرحلة المقبلة، سواء من جهة موقفه الواضح ضد جماعة الإخوان ومجمل الإسلام السياسي، أو من جهة مجهوداته الملموسة في ملف تجديد الخطاب الديني.

13