الإسلاميون والدولة الوطنية: تناقض الأيديولوجيا ينسف إمكانية التعايش

سنوات ما بعد “الربيع العربي” كانت كفيلة بتلخيص معضلة الحركات الإسلامية التي انتشرت في الوطن العربي كأورام أفرزها عطب التحديث العربي المعاصر. فالشرق العربي، مثل المغرب، يئن في السنوات الأخيرة من الانفجار غير المسبوق للإسلام الحركي بشقيه الجهادي والسياسي، والهدف الأساسي من هذا الانفجار هو تدمير ما راكمته الأقطار العربية منذ الاستقلال من دعائم الدولة الوطنية.
الأربعاء 2015/12/30
أوهام في مزبلة التاريخ

تواجه الدولة الوطنية القطرية في الوطن العربي تصفية لتركات الثقافة والأيديولوجيا والمؤسسات المرتبطة بالمنظومة القانونية من جهة، وبالأفعال والقرارات السياسية من جهة ثانية، في صراع بلغ مداه الأقصى بين نظم وحكومات الدولة الوطنية وبين الإسلاميين، اختلفت مَنابته وأسبابه وخلفياته وتقاطعه بين المشرق والمغرب، فيه يختلط المحلي بالعالمي، والديني بالإرهابي، والقومي بالأممي، وهي، أي الدولة الوطنية، بذلك تجني تراكمات ما أصبح يعرف اليوم ضمن الأدبيات السياسية بـ”الإسلام السياسي”. فهل أن الإسلام السياسي واحد في نظرته للدولة الوطنية، سواء من ناحية المنبع أو من ناحية المصب والبلوغ، في ظل الجغرافيا الواسعة الآخذة في التقسيم وإعادة الترتيب؟

مشروعية السؤال السابق لا تأتي على خلفية الإيمان ولا التاريخ المشترك وهما مهمان بلا ريب، وإنما من حقائق الحاضر، والذي يتميز بأمرين، أولهما الهجوم من الآخر الظاهر والخفي، أو من الاثنين معا في شراكة آنية غير مضمونة النتائج للطرفين، والأمر الثاني القابلية للفوضى وللتغير في انتظار ما سيتحقق من آمال كبرى مصحوبة بفتنة الدماء، ونتيجة لذلك ظهرت ثلاث جبهات معلنة عن نفسها، وساعية لتحديد مسار حركة المجتمعات العربية، ورسم مستقبلها الجغرافي والوجودي.

الجماعات الدينية المنشغلة بالسياسة والمتلهفة للسلطة بفريقيها، العنيف الدموي والسلمي المجتمعي، ينطلقان من أرضية واحدة يبدو فيها الفضاء الديني مكونا للوهم أو للحقائق، ويحركان من خلاله العواطف الدينية للشعوب العربية، من ذلك مثلا عودة الخلافة الإسلامية، حيث نراها معلنة في التطبيقات العملية وفي البيعة وفي الفعل الإجرامي لداعش حاضرا وللقاعدة في السنوات الماضية، كما نجدها في الأدبيات الأولى للترويج الفكري بين الأتباع في تنظيم الإخوان المسلمين عند نشوئه في مصر، وإلى غاية قيام ثورة الضباط الأحرار في 1952.

كما نراها محفوظة في الذاكرة الجماعية للأمة، وهي تراها هنا راشدة عادلة، تتمنّى عودتها لمواجهة التقسيم، والفساد المالي والسياسي، وتلك حالة وجودية وسّعت الهوة بين الحكومات والشعوب، بل إنها على الأمد الطويل ستقضي على الإسلاميين، كونهم أصبحوا جزءا من منظومة الفساد حين شاركوا في الحكم، وهم المرجفون للشعوب الآن من خلال هجومهم البربري في ظل دعوة مزيفة لتطبيق الشريعة وإقامة دولة مسلمة وخلافة ممتدة. الطرح السابق فتح شهيّة الحزب الحاكم في تركيا للقيام بدور الخلافة، وهو في ذلك يلتقي مع الجماعات الإرهابية في الهدف، وفي اتخاذ العنف منهجا لتحقيق ذلك الهدف، الشواهد على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال محاولة تركيا القضاء على نظام بشار الأسد حتى لو أدى ذلك إلى قتل كل الشعب السوري، والعمل من أجل احتلال جزء من سوريا، ومطاردتها للأكراد في كل مكان على حساب علاقتهم وعيشهم مع العرب، ودعمها للجماعات الإرهابية باعتبارها أدوات لتحقيق الأمل التركي في العودة، ناهيك عن تدخلها بالقوة في العراق، وتوظيفها للصراع المذهبي في المنطقة العربية رغم محاربتها للأكراد وهم معها على نفس المذهب.

طرح الخلافة يثير شهية الحزب الحاكم في تركيا في لعب دور الخليفة، وبذلك يتقاطع مع الإرهاب في هذا النمط السياسي

الجبهة الثانية، الحكومات والأنظمة، حيث الاختلاف واضح بين المشرق والمغرب لجهة التعامل مع الإسلاميين، وسنشرح هذا لاحقا، لكن الذي يعنينا هنا، أن ترك المؤسسات الدينية وخاصة المساجد لجماعات تيار الإسلامي السياسي في البداية ثم تحالفها مع بعض العناصر من أجل ضرب قوى ساسية أخرى، جعل الدولة الوطنية تواجه هزات كبرى، انتهت السيادة فيها للتيار الديني، كما تابعنا خلال الانتفاضات العربية منذ نهاية 2010، وشكلت في الواقع الجديد تحالفا أوصل الإسلاميين إلى الحكم، كما هو الأمر في تونس ومصر وقبلهما الجزائر وبعدهما المغرب، كما تم دعم الإسلاميين لإسقاط الدولة الوطنية كما هو الأمر في سوريا، دون أن ننسى هنا الميراث الدموي بين النظام السوري وتنظيم الإخوان المسلمين.

الجبهة الثالثة هي القوى الخارجية بكل أنواعها، القريبة منها مثل إسرائيل وتركيا وإيران، أو البعيدة منها، مثل الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وبعض دول الاتحاد الأروربي، وحلف الناتو.

كل هؤلاء وغيرهم يلتقون مع كثير من القوى الإسلامية الداخلية، وخاصة الجماعات الإرهابية، حول هدف واحد هو انهاء دور الدولة الوطنية، بما سيساعد على رسم خارطة جديدة للمنطقة العربية، تبدو فيها تقسيمات سايكس بيكو ذكريات ماض جميل.

الجبهاث الثلاث، جميعها تعمل على تقويض الدولة الوطنية بأساليب مختلفة، فالجماعات الإرهابية تسعى للقضاء على الأنظمة من خلال تدمير الأبنية الكلية للدولة، في حين تعمل الدول ذات المصلحة على إضعاف الأنظمة من أجل المزيد من التبعية، وهذا لن يكون إلا إذا أنهارت الجبهة الداخلية، أما بعض الأنظمة (الفاسدة خاصة) فإنها ترى في إشغال الشعوب بالقضايا اليومية بما فيها مواجهة الإرهاب، حلاّ عمليا يحول دون محاربة الفساد، وكلما زاد الخطر بضياع الدولة كلما انشغلت الشعوب بالأمان. وهكذا تبدو الأساليب مختفلة لكن النتيجة واحدة، ومع أن كل الوقائع الراهنة والتجارب المتراكمة تكشف كل يوم عن تورّط تلك الأطراف جميعها في انهيار الدولة الوطنية العربية، إلا أن الإسلاميين، خاصة الجماعات الإرهابية يعلنون عداءهم السافر للدولة الوطنية على المستويين النظري والعملي. موقف الإسلاميين من الدولة الوطنية، والذي اتَّخذ في الغالب عداء خفيا في حالات قوة الأنظمة وظاهرا عند ضعفها، إلا في بعض الحالات النادرة ومن بعض القيادات خاصة، لاعلاقة له بمسألة المواطنة، ولا يمثل وجها للخيانة وليس موقفا دينيا إيمانيا وإن بدا كذلك في بعض الحالات، ومنها تأميم الأراضي في عهد جمال عبدالناصر في مصر وعهد هواري بومدين في الجزائر، أو الصيغة التقدمية لقانون الأحوال الشخصية واشراك المرأة كما هو الحال في عهد الحبيب بورقيبة في تونس، إنما هو موقف سياسي بالأساس، مرجعيته مختلفة بيد دول المشرق والمغرب، ونتائجه مختلفة أيضا.

فمن الناحية المرجعية، إن ظهور الإسلاميين كفاعل في المشهد الاجتماعي العام في دول المشرق العربي في كل من السعودية و مصر وسوريا والعراق في البداية ثم لبنان والأردن والسودان في وقت لاحق ومن ثم قيامهم بدور سياسي بعد ذلك كان الهدف منه إصلاح الوضع القائم، والأدبيات والأفعال التي قامت عليها الحركة الوهابية في المملكة السعودية أو الإخوان المسلمون في مصر تشهد على ذلك، غير أنها تحولت بعد عقود من الزمن إلى قوى معارضة وصل بعضها إلى السلطة كما هو الأمر في مصر والعراق والسودان والأردن ولبنان، وتحالف بعضها مع السلطة ولكنه فرّخ جماعات إرهابية، والحالة السعودية تشهد على ذلك، وعمل بعضها على إسقاط النظام وخير شاهد على ذلك ما يحدث في سوريا.

الجماعات الدينية المتلهفة للسلطة تنطلق من أرضية واحدة يبدو فيها الفضاء الديني مكونا للوهم لتحريك عواطف الشعوب

في دول المغرب العربي فإن المرجعية مختلفة، صحيح أن عمل الإسلاميين بدا إصلاحيا، ومتأثرا إلى حد كبير بالأحداث الدائرة في المشرق، وخاصة احتلال فلسطين، ولكن الإسلام كان عملا ثوريا لتحرير الدول المغاربية، والمتابع لتاريخ تلك الدول منذ احتلت من طرف فرنسا (الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا) أو من طرف إيطاليا ( ليبيا) سيجد أن ثورات المقاومة المتواصلة ذات جذور دينية (صوفية بوجه خاص)، ما يعني أن تيار الإسلام السياسي كان مهتما بالعمل الوطني التحريري، وكان ساعيا لإقامة دولة وطنية لأنها لم تكن موجودة.

بالصيغة السابقة كان الإسلام بالنسبة للمغاربيين هوية يتم على أساسها تحرير الأوطان، ثم إقامة الدولة الوطنية، وكان لدى المشارقة دولة يجب إصلاحها طبقا لمقتضيات الشريعة، وهذا يعني أنه ومنذ وقت مبكر ـ وتحديدا منذ خمسينات القرن الماضي ـ تشكل وعي بالدولة الوطنية في المشرق يختلف عنه في المغرب العربي، فهناك في المشرق كان الأمر ولا يزال وسيبقى صراعا من أجل السلطة، أما هنا في المغرب فهو صراع من أجل الهوية، والدليل على ذلك هو تعامل الأنظمة والمجتمعات في دول المغرب العربي مع تيار الإسلام السياسي، فرغم أن هذا الأخير ساهم بقتل آلاف الجزائريين، وتدمير الدولة، وأثّرت مشاركته في السلطة في تونس سلبا، وكشف عن عجزه في المغرب، ويحمل السلاح اليوم في لبييا، وفي حال من الضبابية في موريتانيا، إلا أنه لم يُبْعد أو يُقْصى أو يتعامل معه من موقع القطيعة.

ليس في مقدور السلطات المغاربيّة أن تقنع شعوبها بعدم جدوى وجود تيار إسلامي، بدليل أن السلطات هناك عملت ولأكثر من خمسة عقود على إبعاد الإسلاميين من المشاركة في السياسة والحكم، ثم أجبرت على الاعتراف بهم، كما أنه ليس في مقدور تيار الإسلام السياسي أن يقضي على الدولة الوطنية التي تقع على مرمى حجر من أوروبا والتي ترفض أن يكون للإسلام جماعة أو تيار، إذن ليس أمام الاثنين إلا صيغة التعايش، ثم إن هنالك وعيا سياسيا مشتركا بين الإسلاميين المعتدلين والسلطات يقوم على فكرة إنقاذ الإسلام من الجماعات الإرهابية، وهذا على عكس ما يحدث في المشرق هذه الأيام، وخصوصا مصر حيث القطيعة والاستئصال للإخوان من المجتمع.

مهما يكن، فإن الخلاف بين الإسلاميين في المشرق والمغرب حول الدولة الوطنية ومصيرها، هو خلاف يتعلق بنظرة الأطراف والمركز لدور الإسلام، فدول المغرب العربي وهي تمثل الأطراف بالنسبة للعالم العربي تعتبر الإسلام هوية، لذا فهي غير مستعدة للتنازل عنه، أما دول المشرق فترى فيه انتماء عقائديا وهدفا سياسيا، وذلك هو الخلاف الجوهري، وأحيانا يتم الجمع بين الاثنين لمواجهة القوى الاستعمارية، وخير مثال على ذلك حركة حماس في غزة التي تريد أن يكون الإسلام سلطة وانتماء وهوية فضاعت وأضاعت، وفي موقفها من السلطة الفلسطينية يظهر فهم المشارقة والمغاربة للدولة الوطنية.

13