الإسلاميون والديمقراطية.. حالة المغرب

الأربعاء 2017/11/01

العلاقة بين التيارات الإسلامية السياسية والديمقراطية علاقة عصية على الفهم وتستعصى على التفسير، فهم ما يفتأون ينادون بها ويتبجحون بأنهم من أنصارها، لكن عندما تسنح الفرص يظهرون شراسة غير مسبوقة في الهجوم عليها، وهم لا يفتقدون إلى المبررات في كل مرة، فعندما ينادون بالديمقراطية يخرجون المبررات التي تسوغ لهم ذلك، وعندما ينقلبون عليها يخرجون مبررات مختلفة، ولذلك من الصعب الحكم على موقفهم النهائي من المبدأ الديمقراطي.

حالة حزب العدالة والتنمية، الذي يضع نفسه ضمن التيارات الإسلامية، تعد حالة فريدة من نوعها اليوم، وتعكس نزعة الانقلاب على الديمقراطية والتداول على المسؤولية، التي تسكن الكثير من التنظيمات الإسلامية سواء كانت معتدلة أم متطرفة. فمنذ أن تم إعفاء الأمين العام للحزب، عبدالإله بن كيران من مهمة تشكيل الحكومة في شهر أبريل الماضي، بعد فشله في تكوين الأغلبية لمدة تجاوزت الخمسة أشهر، بدأ الرجل ينهج أسلوبا مغايرا في عمله السياسي وغير السلاح من كتف إلى كتف، بعد أن كان في السابق ـ وطيلة خمس سنوات ـ يدافع عن اختيارات مغايرة داخل حكومته.

أدرك بن كيران أن التمديد لولاية ثالثة على رأس الحزب هو خشبة الخلاص من العزلة السياسية التي باتت تهدده بعد تولية سعدالدين العثماني رئاسة الحكومة، ودخول عدد من القياديين الحزبيين الوازنين فيها، الأمر الذي جعله يعتبر الأمر مناورة ضده لا اختيار سياسيا يوجد له مناصرون داخل الحزب. وقد حشد أنصاره من أجل الدفع في اتجاه الولاية الثالثة بأي ثمن، مستعملا ذريعة المؤامرة على الحزب، وتسريب الأخبار المغلوطة بهدف التشكيك في الحكومة، وتقديم نفسه على أنه الرجل الوحيد الذي بإمكانه إنقاذ الحزب من التحلل، وهو ما انطلى على الكثير من أتباع الحزب.

في جميع الأحزاب السياسية الديمقراطية في العالم يعد التمديد للرئيس أو الأمين العام على حساب القوانين الداخلية للحزب جريمة ضد الديمقراطية، ذلك أنه يقضي على مبدأ التداول على المسؤولية، ويقتل الفكرة الديمقراطية في نفوس الأعضاء. بيد أن حزب العدالة والتنمية المغربي شذ عن هذه القاعدة وعمل على تمرير قرار داخل المجلس الوطني يسمح للأمين العام بالترشح لولاية ثالثة في المؤتمر المقبل، عبر الالتفاف على القانون الأساسي للحزب، ومحاربة دعاة التداول.

وإذا كان هذا الموقف قد حصل داخل حزب يعد نفسه إسلاميا، وعلى مستوى تداول المسؤولية داخل الحزب الواحد بين الإخوة الأشقاء أعضاء الحزب، فلنا أن نتصور كيف يمكن أن يؤول إليه الأمر في حال ما تعلق الأمر بالمسؤولية على مستوى الدولة، وفي قضية التداول على الحكم ما بين الإسلاميين وخصومهم من التيارات المخالفة.

ما يحصل داخل حزب العدالة والتنمية المغربي يكشف كيف أن الإسلاميين يمكن أن ينقلبوا على الفكرة الديمقراطية بكل سهولة، وفقا للمصالح الخاصة وللمزاج الشخصي أحيانا. فالديمقراطية لديهم وسيلة للحكم لا مبدأ محترما في حد ذاته، وهم يعتبرونها مطية للوصول إلى السلطة قبل الانقلاب عليها في النهاية.

والأكثر من ذلك أن دعاة التداول على المسؤولية يصبحون من الخونة والمتواطئين، لأن الرأي الحر والنقد ممنوعان في هذه الحالة. فأنصار بن كيران يعتبرون الرافضين للولاية الثالثة من المنهزمين، ويتهمونهم بالتآمر على الحزب، بل أصبحوا يروجون الشائعات ضدهم في مواقع التواصل الاجتماعي، لأن التمديد أصبح هو الأصل والمقياس الوحيد للانضباط الحزبي، وما عداه خيانة وجبن.

كاتب مغربي

9