الإسلاميون والمال.. ترغيب وترهيب ومقايضة بـ"سنوات النضال"

تسعى الجماعات الإسلامية بمختلف تفرّعاتها وتعبيراتها إلى جمع المال لتعزيز نفوذها وفرضه كوسيلة ترغيب وترهيب وانتشار، وقد وصلت حدّ قبض التعويضات والمقايضة بما يسمونه بالنضال في عهد الأنظمة المخلوعة بعد ثورات الربيع العربي، ممّا يجعل الديمقراطيات الناشئة مثل تونس في مأزق سؤال أخلاقي واستحقاقي.
الجمعة 2016/04/29
الحرية شعار يستخدم ضد الحرية لدى الجماعات التكفيرية

طالب الإسلاميون في تونس، أوّل حكومة بعد ثورة 14 يناير 2011، بتعويضات ماليّة جرّاء ما أسموه بالمحاكمات الجائرة فترة حكم النظام السابق، ومنهم من تمدّد في المطالبات حتى وصلت عهد بورقيبة وشملت ما عبّروا عنه بجبر الأضرار المادية والمعنوية التي نتجت عن فقدان بعضهم لوظيفته والمراقبة الأمنية والإدارية ومعاناته خارج البلاد.

وما شجعهم آنذاك على الجهر بأصواتهم والتكثيف من اعتصاماتهم هو أنّ حركة النهضة الإسلامية كانت تقود الائتلاف الحاكم الذي يأتمر بأمرها فـ”تمنح لنفسها ممّا أؤتمنت عليه دون رقيب أو محاسبة”، كما يقول ناشط بإحدى الجمعيات الحقوقية .

قدّرت هذه التعويضات بـ620 مليون دولار ممّا يعمّق عجز الميزانية في بلد منهك الاقتصاد وقد أثار الأمر غضب الشارع التونسي الذي خرج في مظاهرات احتجاجية واصفا الأمر بالإستيلاء على المال العام والابتزاز الرخيص حتى أنّ أحد الشبان المعطّلين عن العمل تساءل في تقرير تلفزيوني بقوله “أين كان هؤلاء عشيّة 14 يناير، لم نلـمح واحدا منهم في الشارع الغاضب، وإن كان بعضهم في السجن كما يدّعي فقد دخله بسبب معاداته للحريات لا لأجلها، لقد قدم قادتهم بالطائرات الخاصة من خارج البلاد”.

تعالت أصوات الاستنكار إزاء هذا المطلب المجحف حتى أنّ فيهم من قبض ما يقدّر بمئات الآلاف من الدولارات علاوة على ثرواته التي ظهرت فجأة على شكل فنادق ومصانع وشركات عابرة للقارات، في الوقت الذي تعجّ فيه المقاهي بالمعطّلين من أصحاب الشهادات العليا.

ما شجعهم على الجهر بأصواتهم هو أن حركة النهضة الإسلامية كانت تقود الائتلاف الحاكم الذي يأتمر بأمرها

وقال شكري بالعيد أحد أكبر رموز اليسار الوطني والذي يتهم الإسلاميون باغتياله “إنّ حكومة النهضة تتعامل مع ملف التعويض بمنطق الغنائم وتغمض عينيها عن الأهم وهو التشغيل والتنمية”.

يحاول الإسلاميون بالمقابل أن يبرّروا المبالغ التي قبضوها وإدراج ملف التعويض في استحقاق العدالة الانتقالية والتي هي ليست بدعة تونسية بل شهدتها ديمقراطيات ناشئة في بلاد كثيرة كانت قد تخلّصت من أنظمة الاستبداد، ووصفوا أصوات المعارضة بالمزايدات، لكنّ اللاّفت للموضوع هو أنّ أسماء كثيرة في المعارضة اليسارية والقومية والمستقلّة والنقابيين قد أبدت استعدادها لرفض هذه التعويضات في حال عرضتها عليها “لجان العدالة الانتقالية” واعتبرت أنّ النضال ضد الظلم لا يطالب المجموعة الوطنية بدفع الفاتورة من قوت يومها وحليب أطفالها وضرائب كادحيها، بل هو واجب على كل من استطاع إليه سبيلا، ثمّ إنّ التلويح بالعنف ضد الحريات الخاصة أصبح اليوم يتأتّى من الذين قبضوا ثمن سجنهم بالأمس من أجل ما يصفونه بحرية الرأي والمعتقد.

يحيلنا ما تقدّم إلى مفارقة غريبة وهي أنّ سجون نظام بن علي قد جمعت بين من كان يناضل في سبيل الحريات الجماعية والفردية في مطلق عمومها، وبين من ناضل ضدها ودافع عن “حريته في قمعها” مثل حادثة لقاء القيادي الإسلامي بالناشط الحقوقي في زنزانة واحدة وكان الأول قد اعتدى بالعنف على الثاني بسبب كتاباته ضد التطرف الديني..هكذا يمكن لنظام بن علي أن يجمع تحت سقف زنزانة واحدة بين “حساسيتين” مختلفتين إلى حدّ التناقض، ويبقى الرأي المدني الحقوقي هو الأصوب في مثل هذه الأحكام من جهة تجنّب السقوط في التفاضلية السياسية، لكنّ جماعات الإسلام السياسي تحاول استثماره في تونس عبر إعلامها الذي ما انفكّ يروّج لحالات اجتماعية وإنسانية تضرّرت من الآلة القمعية للنظام السابق.

حاول الإعلام العمومي الذي عملت حركة النهضة التونسية على افتكاكه إبّان ترؤسها للائتلاف الحاكم الإكثار من العزف على الوتر العاطفي وتصوير الاسلاميين كضحايا أكثر من غيرهم، وذلك عبر بث ونشر مواد توثّق لفترة اعتقالهم وملاحقتهم، وكذلك عمدت منابرهم إلى الزج بشهادات من داخل البلاد وخارجها لمناصرين وحلفاء لهم مثل إخوان مصر ودول المغرب العربي، تصوّر فيها حجم التجاوزات التي ارتكبتها في حقهم أجهزة النظام السابق وكم كان هؤلاء مظلومين.

شكلت المقايضات والتعويضات لبعض العامة والبسطاء عرضا سخيا في ظل انتشار البطالة والفاقة

تزامن ذلك مع الانتعاشة ومرحلة “الدلال” التي عاشتها حركة النهضة وأنصارها بسبب استفرادهم ببعض مؤسسات الدولة وإمساكهم بوزارات السيادة، إضافة إلى محاولة تغطيتهم على الهبات التي منحوها لأنفسهم على شكل تعويضات ماليّة عن فترة مكوثهم في الخارج الأوروبي والأميركي أو في السجون، رغم أنّ الكثير من قادة اليسار وناشطي حقوق الإنسان يتحدثون عن تنسيق معلوماتي و”تسوية وضعيات” بين الإسلاميين وأجهزة أمن بن علي وذلك عبر وثائق ومخطوطات ينشرونها تباعا من هنا وهناك، على صفحات التواصل الاجتماعي ومدوناتهم الإعلامية، دون أن ننسى ما نتج عنها من دعاوى قضائية حرّكها الإسلاميون ضدّهم، بالإضافة إلى ملاحقات واعتداءات عنفيّة وصلت حدّ التهديد بالتصفية الجسديّة.

شكّلت هذه المقايضات والتعويضات لبعض العامة والبسطاء ولغير المحصّنين ثقافيّا واجتماعيا عرضا سخيّا في ظل انتشار البطالة والفاقة، فهرع بعضهم لإعلان الولاء والانتساب لهذه الجماعة، لعلّه يصيب شيئا من عطاءاتهم، ويتفق المراقبون على أنّ طريقة الإسلاميين في الاستقطاب وشحن الصفوف لا يمكن لها أن تمرّ إلاّ عبر بوّابة المال نهبا وتجميعا وتوزيعا وتبرّعا واستثمارا.. ثمّ تأتي مسألة الشحن النظري بدرجة ثانية، والتي يسمّونها “الدعويّة”، وهو مصطلح أثار الكثير من اللبس، إذ “يعتقد الكثير أنه يعني الدعوة إلى القيم الكبرى المتعارف عليها لدى المؤمنين، في حين أنها مسألة “دمغجة سياسية وأيديولوجية”، بل تأليب وغسيل دماغ، ويتم ذلك عبر إثارة كل الأحقاد، واستنهاضها ومن ثم استثمارها في عمليات إرهابية ولا شيء غير المال عندهم في عمليات الترهيب والترغيب”، كما يقول أحد المتخصصين في جهاز مكافحة الإرهاب في تونس وقد طلب عدم ذكر اسمه.

تدرك الجماعات الإسلامية حجم قيمة المال الذي يمثّل رأس هرم أي سلطة وقاعدتها، لذلك فهم يؤمنون بأنّ لكل شيء، عاقلا كان أم غير عاقل، ثمنا، بمن فيه العمل السياسي أو ما يسمونه بالنضال ضد الظلم والطاغوت.

13