الإسلاميون وتقرير الحريات في تونس.. "هذا على الحساب قبل قراءة الكتاب"

نشطاء المجتمع المدني يعبرون عن مساندتهم لتقرير اللجنة لاحتوائه على عديد المقترحات التي ستطور الترسانة القانونية وتجعل روح دستور تونس الجديدة نافذة في نصوصها القانونية.
الخميس 2018/07/05
تقرير منسجم مع الشارع

تونس - ردود فعل الإسلاميين في تونس إزاء تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، تراوح في لهجتها بين الاحتجاج الناعم ومحاولة تمثل العقلانية من باب ادعاء الحرص على القيم المجتمعية، وبين الغضب الصريح الذي يحمل في طياته تهديدا بتأليب الشارع الذي غالبا ما يزج به في معارك سياسية مستخدمين نزوعه الفطري إلى جملة قيم يحاول الإسلاميون ركوبها نحو مآربهم.

وفي هذا الصدد، حذرت الجمعية التونسية للعلوم الشرعية مما أسمته بـ”العواقب الوخيمة” لتقرير الحريات الفردية والمساواة، معتبرة وفق بيان صادر عنها أنه يمثّل “اعتداء على أصول عقائدية وانتهاكا لأصول تشريعية وأخلاقية كانت سببا في تدمير الحضارات عبر التاريخ”.

هذا وقدمت اللجنة التي كان قد كلفها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، في أغسطس 2017 بإعداد تقرير عن الإصلاحات التشريعية المتعلقة بالحريات الفردية والمساواة وفقا للدستور التونسي الجديد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، تقريرها النهائي في 8 يونيو الماضي برئاسة الحقوقية بشرى بلحاج حميدة.

وتشمل الإجراءات التي اقترحتها اللجنة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، إلغاء عقوبة الإعدام، وقدمت توصيات أخرى للمساواة في قانون الأسرة وفي مجالي القانون الجنائي والقانون المدني.

وتباينت ردود الفعل في الأوساط المدنية بين مرحبين يعتبرون أن ما تم اقتراحه يعد “إنجازا تاريخيا” ومتحفظين ومستنكرين يرون في التقرير “تطاولا على قيم دينية ومجتمعية”، خصوصا من الأوساط الإسلامية التي حذرت من هذا التقرير الذي رأته “ينذر بانقلاب على النّمط المجتمعي للشعب التّونسي الّذي تأصّل في هوية دينية إسلامية” كما جاء في بيان الجمعية التونسية للعلوم الشرعية التي دعت الشعب التّونسي إلى “التمسّك بتعاليم دينه الذي كرّمه الله تعالى به” محذرة من هذا التقرير الذي تضمّن “الدّعوةَ إلى تقليص حضور الدين الإسلامي في تونس”.

إعلان أساتذة من جامعة الزيتونة، وادعاؤهم أن التقرير يناقض القرآن والسنة، هو إعلان تكفير ضمني لأعضاء لجنة الحريات
 

ومن جهتها عبّرت “الجمعية التونسية للتفكير الإسلامي والشؤون الدينية”، الاثنين الماضي، عن خشيتها من أن يتم إدراج جزء هام من تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، إن لم يكن كله “ضمن النزعة المعادية للإسلام”، أو أن يتم فهمه وتأويله على هذا النحو.

وبدورها أصدرت “التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة” بيانا هاجمت فيه بشدة توصيات اللجنة، وقال البيان إن مقترحات تقرير اللجنة في مجملها “قوانين هادمة للأسرة ومخلّة بتعاليم الدين الإسلامي، وتتعارض مع ما ورد في توطئة الدستور”، علاوة على أنها “تبيح الشذوذ، وتلغي القوامة، وتحرم المرأة حقها الشرعي في النفقة”.

وشدد البيان على أن ما جاء في التقرير “يهدم الأركان الأساسية للشريعة الإسلامية، وهي: حفظ النفس والنسل والعقل والمال والدين”.

وفي أول رد فعل من الأوساط العلمانية والليبرالية على هذا التململ الإسلامي الذي رأى فيه مراقبون بداية محاولات لتأليب الشارع والعزف على أوتار “المشاعر والثوابت والمقدسات”، أطلق عدد من ناشطي المجتمع المدني بتونس الثلاثاء 3 يوليو، عريضة إلكترونية لجمع التوقيعات، تعبيرا عن مساندتهم لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة الصادر في يونيو 2018 وتنديدا بالحملة التي تستهدف رئيسة اللجنة بشرى بلحاج حميدة، التي قالت بدورها إن تقرير اللجنة ينسجم مع ما وقّعت عليه تونس من اتفاقيات دولية ويتضمن المبادئ التي نص عليها دستور يناير 2014.

واعتبر معدّو هذه العريضة أن محتوى تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، يقدم عديد المقترحات التي ستطور الترسانة القانونية وتجعلها تتوافق مع المتطلبات السابقة وتجعل “روح دستور تونس الجديدة نافذة في نصوصها القانونية”.

وأفادوا أن في مضامين التقرير إقرارا صريحا بالحريات الفردية وإعلاء من شأن المساواة وعدم التمييز بين المواطنين وبين الجنسين وإقرارا لأمّهات الحريات الفردية كحرية الضمير وحرية المعتقد وحرية الحياة الخاصة، مستنكرين بالحملة التي تقوم بها ما أسموه “قوى الشد إلى الوراء” ضد هذا التقرير وضد أعضاء اللجنة التي صاغته ومعبرين عن مساندتهم لهم.

الطريق طويلة ومفتوحة لنساء تونس
الطريق طويلة ومفتوحة لنساء تونس

وندد الموقّعون على هذه العريضة الذين تجاوز عددهم في اليوم الأول من إطلاقها 140 شخصا، بالبيان الصادر في 28 يونيو، المنقضي عن أساتذة جامعة الزيتونة، مشيرين إلى أن هذا البيان صادر في الواقع عن ثلث مدرسيها فحسب، حسب تقديرهم.

 ويذكر هنا أن مدرسة جامع الزيتونة يُشهد لها بالوسطية والاعتدال عبر تاريخها وعرفت بثلة من كبار مشايخ الفقه التنويري بل ومنهم من ساهم في سن قانون الأحوال الشخصية المعروف بـ”جرأته” في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة مثل الشيخ محمد عبدالعزيز جعيط، الذي عيّن كأول مفت لدولة الاستقلال سنة 1957.

واعتبر الموقّعون على العريضة الإلكترونية أن إعلان أساتذة من جامعة الزيتونة، رفض ما أتى في التقرير ومطالبتهم بسحبه وادعائهم أنه “يناقض القرآن والسنة، ويهدد هويّة البلاد والسلم الاجتماعي ويغذي الإرهاب”، هو إعلان تكفير ضمني لمحرّري تقرير لجنة الحريات.

وأهابوا بـ”القوى التقدمية والحداثية كأفراد ومثقفين وإعلاميين وسياسيين وناشطين في المجتمع المدني أن يتصدوا لهذه الحملة من التيار المحافظ والرجعي وأن يعلنوا صراحة على دعمهم للإصلاحات المقترحة في التقرير”.

ولا تخلو هذه التجاذبات من غايات سياسية. وكثيرا ما يبدي إسلاميون بآرائهم دون أن يكلفوا أنفسهم قراءة هذا التقرير ومناقشة مقترحاته بعيدا عن التشنج الفئوي والتعصب الحزبي، بالإضافة إلى بعض المزايدات التي تستكثر على المجتمع الحريات تحت أعذار واهية كالحديث عن الأولويات المعيشية.

وفي هذا الصدد قالت رئيسة اللجنة خلال ندوة حول التقرير “الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد لا يجب أن تحرم التونسيين من الحريات داعية كل الأحزاب العلمانية والتقدمية إلى تحمل مسؤولياتها في تبني تقرير اللجنة الذي سيعرض أمام البرلمان”.

ويشبه أحد المعلقين عدائية الخطاب الإسلامي المبيت إزاء تقرير الحريات في تونس بالكتاب الذي وُضع في ثلاثينات القرن الماضي احتجاجا على كتاب المصلح الاجتماعي الطاهر الحداد “امرأتنا بين الشريعة والمجتمع”، إذ عمد واضع هذا الكتاب إلى كتابة ديباجة يشتم فيها الحداد، ويقول فيها بعد سطور من السباب “هذا على الحساب قبل قراءة الكتاب”.

13