الإسلاميون وفن الانقضاض على الثورة: داعش نموذجا

الثلاثاء 2013/09/17

قبل ستة أشهر لم يكن أي من السوريين قد سمع بدولة العراق الإسلامية، لا لأن الدولة المذكورة لم تكن تعنيهم، بل لأن الدولة نفسها لم تكن مهتمة بما يحدث في سوريا، وقد حصرت حركتها في العراق، وفي المنطقة الغربية منه تحديدا، فاتخذت من الصحراء مستقراً لها، واكتفت بشن هجمات على مراكز الشرطة، وبعض قوات الجيش العراقي، فاتخذ صراعها معها ما يشبه لعبة شد الحبل التي لا يشاء أي من الطرفين إنهاءها، كيلا يسقط أرضاً، وقد نسبت لدولة العراق الإسلامية العديد من حوادث التفجيرات والقتل التي حدثت منذ العام 2006 في مختلف المناطق العراقية.

في شهر آذار أعلن عن تحرير محافظة الرقة، وهوى تمثال الديكتاتور السابق حافظ الأسد على رأسه وسط مركز المحافظة، في محاكاة لمشهد سقوط تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وقد هللت القوى الثورية لهذا الانتصار المدوي، الذي اعتبر بداية النهاية لحكم بشار الأسد، لكن أياماً قليلة فصلت بين تحرير الرقة وبين تسلل مقاتلي دولة العراق الإسلامية إلى أرضها حاملين ألويتهم السوداء، ليعلنوا وببساطة أن المحافظة المحررة باتت في قبضتهم، وأنهم على الطريق لإعلان دولتهم الإسلامية فيها. والحقيقة أن صدمة كبيرة أصابت جميع السوريين بعد بيان توحيد تنظيمي دولة العراق والشام استجابة لدعوة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري تحت مسمى دولة العراق والشام الإسلامية، والتي ستعرف فيما بعد اختصاراً بتسمية داعش، ولم يخفف من وطأة تلك الصدمة بيان نفي من هنا أو هناك، لأن الدولة المذكورة صارت واقعاً، واتخذت من أحد المواقع مقراً لها، ونصبت حواجزها الأمنية «التكفيرية» في الكثير من المناطق التي استطاعت الوصول إليها. وبدا أن المستفيد الوحيد من هذا التبدل المفاجئ في معادلة الثورة، هو النظام نفسه الذي سارع للمتاجرة عبر إعلامه وكبار مسؤوليه إلى وصم الثورة كلها بتنظيم القاعدة، بعد أن كان حتى وقت قريب يكتفي بتسميتها عصابات إرهابية مسلحة، أو في أسوأ الحالات كان يعيد نسبتها إلى الإخوان المسلمين. وقد تصاعد الحسّ الغربي النافر من الثورة، وهو موجود أصلاً، بسبب بعض التسريبات من هنا وهناك، والأحاديث التي لا تنتهي لإعلام النظام ومناصريه عن أسلمة سوريا العلمانية، وضرب لحمتها الوطنية وتهديد الأقليات، حتى أن ممثل النظام في الأمم المتحدة بشار الجعفري وفي حادثة «شهيرة» لم يتورع عن الكذب و لفق كلاماً لم يقله أحد قادة لواء التوحيد ليؤكد أن قتل الأقليات هو في أعلى سلم اهتمامات الثورة السورية.

ولا يستطيع أحد أن يدعي أن دخول «داعش» على خط الثورة قد أكسبها أي نوع من التقدم سواء من الناحية العسكرية أم من الناحية الشعبية، بل على العكس تماماً، فقد خلقت داعش خللاً كبيراً داخل صفوف مقاتلي الثورة، فالتنظيم الذي لا تعرف مصادر تمويله قادر تماماً على تجنيد المقاتلين من مختلف الجنسيات، والتزود بمختلف أنواع الأسلحة التي يعجز الجيش الحر حتى الآن عن توفيرها، وقد شكل بعض القادة الميدانيين في الجيش الحر خطراً على نفوذ «داعش» بسبب رفضهم وبشكل كلي للخطاب الذي ترفعه ولمحاولتها سرقة الثورة، ما أدى إلى قيام مقاتلي التنظيم المذكور باغتيال عدد من القادة كان من أبرزهم يوسف الجادر وكمال حمامي.

وبالعودة إلى الرقة، فقد تحولت المدينة من سلطة النظام إلى سلطة الدولة الإسلامية، التي فرضت قوانينها ورفعت راياتها، وبدأت حملتها المنظمة لا في هداية المسلمين إلى الإسلام فحسب، بل في فرض شريعتها الخاصة، وبدأت حواجزها تشكل خطراً كبيراً على الناشطين المعارضين للنظام، وقد نفذت الدولة حملة اعتقالات واسعة طالت العديد من ناشطي المحافظة، والإعلاميين السوريين والأجانب، وقد نظم بعض المواطنين اعتصاماً مفتوحاً أمام مقر الدولة في المحافظة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، إلا أن مطالباتهم تلك قوبلت بزخات من الرصاص التي أطلقها مقاتلو الدولة باتجاههم، في استعادة لمشهد قيام قوات النظام بإطلاق النار على أهالي مدينة درعا حين تظاهروا مطالبين بإطلاق سراح أبنائهم، واتهمت داعش باختطاف الراهب الإيطالي باولو داوليلو الذي يعتبر من رموز الثورة السورية، ثم سعت وبشكل دؤوب لطرد الأكراد من المناطق التي يقيمون فيها، ما سبب اقتتالاً لم تنطفئ نيرانه بعد بين المجموعات الكردية وميلشيات الدولة الإسلامية. ولا تشغل داعش نفسها كثيراً بالرأي العام، وإن كانت حاولت التقرب من بعض الأحياء التي تسيطر عليها من خلال توزيعها للمواد الغذائية في استغلال لحاجة الناس الكبيرة في ظل الحصار الخانق الذي تتعرض له المدن من قبل قوات النظام، إلا أن هذا لم يشكل حاضنة شعبية لكتائب تمتهن الخطف وقتل الثوار الذين لا يمتثلون لأوامرها.

تخلو أدبيات داعش وشعاراتها التي ترفعها من أي تلميح سواء من قريب أو بعيد إلى الثورة السورية، فهي إنما تسعى إلى إقامة دولة بديلة عن دولة حرمت منها في أفغانستان، بعد التدخل العسكري الأميركي عام 2001 ولم تستطع أن تنجزها في العراق، وقد بدأ التململ الشعبي في سوريا يتزايد في الآونة الأخيرة، وصولاً إلى المطالبة بالثورة على داعش والنظام معاً، فهما وجهان لعملة واحدة.


كاتب سوري

8