الإسلاميون يبحثون تعزيز حضورهم في المشهد الجزائري

الأحد 2015/09/27
سلطة بوتفليقة روضت الإسلاميين وحيدت صقور الجيش لصالحها

الجزائر- تزامن غريب بين تنحية المدير السابق لجهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين (الجنرال توفيق)، وبين الجدل المثار لدى بعض الدوائر، المقربة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المحظورة، حول أحداث العنف التي عاشتها الجزائر منتصف تسعينات القرن الماضي.

وركزت مداخلات وشهادات استعرضت على قناة “المغاربية” اللندنية المقربة من جبهة الإنقاذ، على تبرئة ساحة مسلحي الفصائل الإسلامية المسلحة من أحداث تلك المرحلة، ودعت إلى فتح تحقيقات لكشف ملابسات المجازر التي وقعت. وعمدت إلى نقد محدودية قانون المصالحة الوطنية، عشية إحياء ذكراه العاشرة، في احتواء الأزمة الأمنية والسياسية في الجزائر، واستمرار النظام السياسي، الذي نفذ “انقلاب” 1992، في إدارة شؤون البلاد.

ويقول مراقبون إن أقطاب الإسلام السياسي في الجزائر، وعلى رأسهم تركة جبهة الإنقاذ المحظورة، تنفست الصعداء برحيل الجنرال توفيق في ظروف مثيرة، بعد ربع قرن من الإشراف على أكبر جهاز أمني أدار مرحلة الحرب على الإرهاب، ويملك في رفوفه أرشيف وتفاصيل التيار بقطبيه السياسي والمسلح. لذلك يحاول الإسلاميون العودة من جديد إلى الواجهة، اعتقادا منهم أن طيّ صفحة آخر “الجنرالات الجانفيين” هو إزاحة أكبر المعوقات أمام الإسلاميين من أجل مسك مقاليد القيادة السياسية في البلاد.

ورغم أن تنحية الرجل القوي في جهاز الاستخبارات من طرف الرئيس بوتفليقة منذ أسبوعين، لا زال يكتنفها الكثير من الغموض والجدل ولا زالت القراءات والتحاليل بشأنها متباينة، إلا أن رموز تيار الإسلام السياسي تريد الاستثمار في الوضع الجديد، رغم حالة الإجماع على أن قرار التنحية يتعلق بصراع أجنحة السلطة وليس بتحالف بين بوتفليقة والإسلاميين.

ولازال القائد الروحي لجيش الإنقاذ المنحل مدني مزراق، متمسكا بمطلب تأسيس حزب سياسي جديد يضم الجيوب المسلحة والسياسية لجبهة الإنقاذ المحظورة. فرغم حالة الاستياء والغضب التي خلّفتها دعوته لدى الفئات الاجتماعية المتضررة من الإرهاب، والرفض الذي عبّرت عنه جهات حزبية ورسمية على رأسها حزب السلطة الثاني (التجمع الوطني الديمقراطي) والوزير الأول عبدالمالك سلال، إلا أن تصريحات مزراق الأخيرة تعطي الانطباع على ثقة في النفس تستند إلى دعم يُجهل مصدره، لكن يكون قد تشجع بطيّ صفحة أعداء الإسلام السياسي في المؤسسة العسكرية.

وشكلت تنحية المدير السابق لجهاز الاستخبارات الجنرال توفيق، نهاية حقبة صقور المؤسسة العسكرية، أو من يعرفون بالجنرالات “الجانفيين”، الذين تدخلوا في يناير 1992 لدفع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد للاستقالة، ووقف المسار الانتخابي الذي اكتسحته آنذاك جبهة الإنقاذ الإسلامية، وقادوا بعدها الحرب على الإرهاب خلال العشرية الحمراء، ويكونون بذلك مدرسة خَبِرت الإسلام السياسي بشقيه السياسي والمسلح.

وكانت زعيمة حزب العمال لويزة حنون، قد حذّرت من تداعيات التفكيك الذي تتعرض له المؤسسة الأمنية في الجزائر، ومن مسلسل التغييرات الذي طال قادة وضباطا كبارا في مختلف دوائر جهاز الاستخبارات، واعتبرت تنحية الجنرال توفيق في ظل الظروف الأمنية والمخاطر المحيطة بالبلاد، قد يعطي أفكارا للتنظيمات الجهادية بتكثيف عملياتها والنيل من استقرار البلاد، في ظل رحيل القادة الذين خاضوا حربا ضروسا ضد الإرهاب طيلة ربع قرن، وتشكّلت لديهم خبرة في فهم وإدارة ملف الإسلام السياسي والحركات الجهادية.

ويبقى الجدل مفتوحا في الجزائر بين القائلين بأن توقيف المسار الانتخابي في يناير 1992 من طرف صقور المؤسسة العسكرية، انقلاب على الشرعية الشعبية وتفويت فرصة كبيرة على الجزائر لدخول عهد الديمقراطية والتعددية، وبين القائلين بأن التدخل أنقذ البلاد من مسار خطير كان سيحول الجزائر إلى أفغانستان شمال أفريقيا و”طلبنة ” شاملة للنظام السياسي والاجتماعي.

وبين الموقفين تقف سلطة سياسية تحاول توظيف الإسلاميين كوعاء انتخابي في الاستحقاقات السياسية، على أمل الوصول إلى توازنات جديدة يوفرها لهم قانون المصالحة الوطنية من أجل العودة إلى الساحة السياسية، وتحييد تدريجي لسلطة العسكر في الهيمنة على المشهد السياسي في البلاد، وإنهاء نفوذهم في تعيين رؤساء الجزائر، مقابل ضمان الحماية لبعض الجنرالات من الملاحقات والمتابعات القضائية التي تخوضها منظمات حقوقية ضدهم بدعوى انتهاكهم لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم ضد الإنسانية بذريعة محاربة الإرهاب.

وكان وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار قد تعرض في سويسرا وفرنسا في العام 2013 إلى مساءلات أمنية وقضائية، بعد شكاوى قدمت ضده في زيوريخ وباريس من طرف مناضلين سابقين في جبهة الإنقاذ، استدعت مثوله عدة مرات أمام القضاء السويسري، في حين تم ترحيله سريعا وفي جنح الليل من باريس إلى الجزائر بأمر من بوتفليقة، تفاديا لوقوعه في قبضة العدالة الفرنسية بتهم مماثلة.

وفيما قاد جنرالات هيئة الأركان، كخالد نزار، محمد العماري، العربي بلخير، فوضيل الشريف، عبدالمالك قنايزية، حربا ميدانية على الإرهاب طيلة سنوات العشرية الحمراء، فإن إسماعيل العماري وتوفيق كانا يديران الحرب في الخفاء وعلى جميع الأصعدة الميدانية والسياسية، وساهما في اختراق تيار الإسلام السياسي بشكل عزل بين المتشددين وبين الجانحين إلى السلم، وفكك التيار لدرجة لم يعد معه أمل في اكتساح الساحة الجزائرية أمنيا أو سياسيا وبنفس قوة جبهة الإنقاذ المحظورة.

2