الإسلاميون يحاولون ضبط المشهد الكويتي على إيقاع مطامحهم السياسية

تصعيد إسلاميي الكويت لضغوطهم على المجتمع والدولة يأتي جزءا من محاولتهم إعادة التموقع في البلد بعد أن وفر لهم وجودهم بالبرلمان وتحالفاتهم هناك منصّة لابتزاز المسؤولين تحت طائلة التهديد بالاستجواب. غير أنّ الممانعة المجتمعية المتنامية تعسّر مهمتهم وتدفعهم إلى التصدي بشراسة لكل خارج عن تعاليمهم، ولو كان من طلاب الثانويات.
السبت 2017/05/27
سنة التطور أقوى من عوامل الشد إلى الخلف

الكويت - يشتكي كويتيون، لا سيما من أبناء الجيل الشاب، ممّا يعتبرونه تصعيدا من قبل قوى الإسلام السياسي لضغوطها على المجتمع، ومحاولتها فرض قراءتها المتشدّدة للدين، وسعيها لفرض أخلاقيات منافية للتطور من خلال تكفير وتجريم ممارسات لا تنطوي على أي تجاوزات أخلاقية أو مخالفات لتعاليم الدين وتقاليد المجتمع، من قبيل تنظيم الطلبة لاحتفالات بمناسبة انتهاء السنة الدراسية.

ويسجّل متابعون للشأن الكويتي ما يصفونه بالعودة القوية لتيارات إسلامية، من سلفية وإخوانية، إلى واجهة الأحداث في البلد، واتخاذها من مجلس النواب ووسائل الإعلام منابر للضغط على المجتمع وممارسة الوصاية عليه.

وأثيرت هذه القضية خلال الأيام الأخيرة بإلحاح، عندما حوّل نواب إسلاميون، تنظيم عدد من طالبات إحدى الثانويات احتفالا تحت إشراف أوليائهن، إلى قضية رأي عام من خلال تصوير الحفل باعتباره عملا خطرا يهدّد المجتمع بالانهيار.

ويُعتبر قطاع التعليم من القطاعات الأثيرة لدى إسلاميي الكويت، حيث يرون فيه، أسوة بكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين بمن فيهم المؤسسون الأوائل للجماعة، أفضل بوابة وأقصر طريق لأسلمة المجتمع وتأسيس أرضية داخله لأسلمة مؤسسات الدولة وتسلّم زمام قيادتها.

وطيلة وجوده على رأس وزارة التربية والتعليم العالي، تعرّض الوزير السابق بدر العيسى إلى حملة شعواء من قبل الإسلاميين، على خلفية طرحه أفكارا وبرامج إصلاحية هادفة إلى تطوير المحتويات وتنقية المناهج من شوائب التطرف والقبلية، والرفع من قيمة الشهادات العلمية ومستوى الخريجين.

وتهمة العيسى التي لا تغتفر في نظر إسلاميي الكويت أنّه “علماني”.

وسبق للعيسى الذي أطيح به من التشكيل الحكومي الذي تمّ تأليفه في ديسمبر الماضي، أن وصف وضع التعليم في بلاده بالمحزن قائلا إن مؤسساته “تتفشى فيها القبلية والتيارات الإسلامية، والإخوان متمكنون جدا من هيئة التعليم ومنتشرون داخلها وأن هيئة التعليم التطبيقي مخطوفة من الإسلاميين والقبليين”.

وثارت الضجّة من جديد بشأن تسلّط الإسلاميين على المجتمع الكويتي وتركيزهم بشكل خاصّ على قطاع التعليم، عندما حوّل عدد من نواب مجلس الأمّة (البرلمان) على رأسهم النائبان السلفيان محمد هايف ووليد الطبطبائي، والنائب القبلي ذو الميول الإسلامية حمدان العازمي حفلا بسيطا نظمته طالبات في إحدى المدارس الثانوية بمنطقة العديلية، بموافقة وإشراف أوليائهن إلى قضيّة، مطالبين وزارة التربية بمعاقبة الطالبات.

ورغم أن الحفل أقيم خارج المؤسسات التابعة للوزارة إلاّ أنّ الأخيرة أبدت تجاوبا مع الطلب، ووعدت بفتح تحقيق، في خطوة عكست بحسب إعلاميين كويتيين، حجم الضغوط التي أصبحت تتعرّض لها مؤسسات الدولة الكويتية تحت طائلة تهديد النواب باستجواب الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة.

وأثارت صحيفة القبس المحلية القضية مشيرة في تقرير لها إلى أنّ الحفل المذكور انتظم كنوع من التعبير عن الفرح بانتهاء اختبارات الثانوية العامة، وأن أولياء أمور الطالبات هم من نظموا الحفل لبناتهن وأحضروا فرقا للعزف بالمناسبة، واصفة النواب الذين أثاروا الضجّة حول الاحتفال البسيط بـ”الأصوات النيابية المتصيّدة”.

رموز الإخوان والسلفية في الكويت منقطعون عن واقع التطور ويدفعون للصدام مع جيل الشباب من خلال تعاليمهم الغريبة

وبشهادة مصدر قانوني نقلت عنه الصحيفة ذاتها “لم توجد أي مخالفة للقانون في احتفال الطالبات لسببين، أولهما أن الاحتفال كان خارج أسوار المدرسة، وبالتالي ليس لوزارة التربية الحق في التحقيق أصلا. وثانيهما أن أولياء الأمور هم من أحضروا الفرق العازفة، وبالتالي ينبغي التحقيق إن وقعت المخالفة مع أولياء الأمور، وليس مع الطالبات”.

وتصنّف تدخّلات النواب الإسلاميين في أدقّ دقائق الأحداث الاجتماعية، مهما كانت بسيطة وعفوية ومرتبطة بالحياة اليومية وبالحرّيات الشخصية، ضمن عملية أشمل من قبل الإسلاميين لإعادة التموقع في المشهد الكويتي والقبض على مفاصل الحياة ومؤسسات الدولة من خلال الضغط والابتزاز.

ومؤخّرا تحدّثت تقارير إعلامية كويتية عن بدء جماعة الإخوان المسلمين حملة ضغط على وزير الأوقاف للعدول عن برنامج وضعته الوزارة بهدف تطهير مؤسساتها من المتشدّدين وترشيد الخطاب الديني لتجنّب محاذير الطائفية ودعم الإرهاب، ولمراقبة عمل الجمعيات، بما في ذلك الإخوانية، العاملة تحت يافطة العمل الخيري لجمع تمويلات لأنشطة سياسية وحتى إرهابية.

وأوردت صحيفة الرأي المحلية أن الجماعة الممثلة في الكويت بما يعرف بـ”الحركة الدستورية الإسلامية-حدس” تحاول استغلال تموقعها في مجلس الأمّة بفضل الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في نوفمبر الماضي، للضغط على وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية محمد الجبري على خلفية تفويضه للوكيل فريد عمادي، وتهديده بالاستجواب في حال استمراره بإقصاء المنتمين إلى الحركة من المناصب القيادية بالوزارة.

وشرحت ذات الصحيفة في تقريرها أن الخلاف بين قياديي “حدس” في وزارة الأوقاف والوكيل عمادي، بدأ منذ توليه المنصب خلفا للوكيل السابق عادل الفلاح أحد قياديي الحركة في فترة تولي يعقوب الصانع منصب وزير للأوقاف.

وأوضحت أن عمادي استبعد الوكلاء المساعدين والمديرين المنتمين أو المحسوبين على “حدس” ولم يتبق غير عدد قليل منهم في المناصب القيادية والإشرافية، كما أقنع عمادي الوزير السابق الصانع بإحالة من اتُّهم بأمور مالية إلى النيابة.

وذكرت المصادر أن “نواب حدس عقدوا العزم على المواجهة وتصعيد النبرة الرقابية، بعدما نمى إلى علمهم أن هناك حركة تدوير في الأوقاف ربما تطال ما تبقى من قياديي الحركة في الوزارة”، مؤكدة أن “القياديين أبلغوا النواب بضرورة التحرك لإيقاف حركة التدوير والضغط على الوزير الجبري حتى يقلّص من صلاحيات الوكيل عمادي”.

واعتبرت المصادر، وفق الصحيفة ذاتها، أن “من الواضح أن عين حدس على وزارة الأوقاف وتريد الهيمنة عليها، وإن كان الثمن تقديم استجواب لوزير الأوقاف، من أجل الضغط على الحكومة لتحقيق مطالبها ومصالحها، خصوصا بعد موقفها المؤيد في مناقشة استجواب رئيس الوزراء أخيرا”.

وتشهد الكويت على غرار مختلف الدول العربية صعود جيل شاب متأثّر بتيارات العولمة التي سرّعت وسائل التواصل الحديثة من انتشارها. ومن ضمن تأثيراتها الميل إلى الحرّية ورفض ضغوط رجال الدين وتسلّط تيارات الإسلام السياسي على الحياة العامّة ومحاولتهم فرض تعاليمهم وقراءاتهم المتشدّدة للدين.

ويبدو رموز الإخوان والسلفية في الكويت منقطعين عن واقع التطوّر في البلاد ودافعين نحو الصدام مع جيل الشباب من خلال تعاليمهم الغريبة من قبيل تحريم الحفلات المدرسية.

3