الإسلاميون يعرقلون جهود الدولة التونسية في تحييد المساجد عن السياسة

أوضح الأمثلة على تناقض منطق الإسلام السياسي في التعاطي مع الشأن العام وأسس الدولة الحديثة المحتكمة إلى دستور ومؤسسات وقوانين تتمثل في ما يحدث هذه المدة في تونس. فرغم إعلان الدستور التونسي صراحة أن الدولة هي التي تملك سلطة إدارة الشأن الديني في البلاد، إلا أن بعض الأئمة المحسوبين على تيارات سياسية إسلامية بعينها لا تنصاع إلى قرارات الوزارة في عزلهم بعد ثبوت تورطهم في دعوات إلى ممارسة الإرهاب علنا، بل ويعلن هؤلاء هذا الرفض صراحة تحت يافطة حرية التعبير.
الجمعة 2015/11/13
الأئمة يرفضون تمشي دولة في عزل المتشددين من خلال تعطيلهم لقراراتها

تونس - تقود الدولة التونسية ممثلة في وزارة الشؤون الدينية جهودا مضنية لممارسة صلاحياتها الدستورية في إدارة الشأن الديني والنأي به عن تجاذبات المشهد السياسي من خلال تحييد منابر المساجد عن التوظيف الحزبي أو استغلالها لشحن الشباب بالفكر الجهادي فيما يحاول أئمة معزولون مصنفون “أئمة متشددين” لي ذراع الدولة وإشعال فتيل من الاحتقان والتشنج داخل المساجد.

وتعكس حالة الاحتقان في عدد من المساجد خلال هذه الفترة وفي مقدمتها مسجد اللخمي بصفاقس الذي منعت فيه صلاة الجمعة للأسبوع الرابع على التوالي على خلفية عزل الإمام رضا الجوادي، على أن الدولة تواجه صعوبات في إدارتها للشأن الديني وخاصة في ما يتعلق بتعيين الأئمة وعزلهم.

وفي الوقت الذي تشدد الدولة على أن إدارة الشأن الديني بما في ذلك طبعا تعيين الأئمة وعزلهم هي من صميم صلاحياتها الدستورية، يحاول عدد من الأئمة “المتشددين” فرض سيطرتهم على منابر المساجد بـ”حجة” أنه “من حق المصلين اختيار من يؤمهم” في تعد صارخ للصلاحيات الدستورية للدولة.

ويمنح الدستور الذي صدر في يناير 2014 الصلاحيات المطلقة للدولة دون سواها شرعية إدارتها للشؤون الدينية وتحييد المساجد على التوظيف الحزبي والتزامها بنشر قيم الاعتدال والتسامح ومنع نشر الفكر التكفيري. وينص دستور البلاد الذي أصدره المجلس التأسيسي في فصله السادس على أن “الدولة راعية للدين كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي”.

وينص أيضا على أن الدولة تلتزم بـ”نشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها”.
بعض المساجد أصبحت فضاء للدعاية والتعبئة والشحن الإيديولوجي وتنظيم أنشطة للاستقطاب

واستنادا إلى المشروعية الدستورية، تسعى وزارة الشؤون الدينية إلى تجفيف منابع الفكر التكفيري والتوظيف الحزبي لمنابر المساجد حيث عزلت خلال الأشهر الأخيرة 40 إماما خطيبا مصنفين أئمة متشددين يحرضون على الكراهية والعنف ويشحنون الشباب بفكر جهادي غريب عن تدين التونسيين. وتقول السلطات التونسية إن تونس استفحل فيها الفكر الجهادي ما جعلها تتصدر قائمة جهاديي تنظيم الدولة في سوريا والعراق بحوالي 5 آلاف مقاتل من بينهم أكثر من 700 جهادية، وهي تحتاج اليوم إلى أئمة معتدلين يمتلكون من العلم والمعرفة ما يجعلهم قادرين على “تصحيح” صورة “عنيفة ودموية” رسمتها خلايا الجماعات الجهادية خلال السنوات الأربع الماضية.

غير أن العشرات من الأئمة المصنفين أئمة متشددين يرفضون إدارة الدولة للشأن الديني وتعيينها للأئمة وعزلهم وتحييدها للمساجد عن التوظيف الحزبي وباتوا يزجون بالمساجد في حالة من الفوضى والهرج في محاولة لفرض هيمنتهم على منابرها وسحبها من تحت إشراف الدولة عليها.

ويقول أساتذة جامعيون متخصصون في الدراسات الإسلامية إن المقارنة بين جهود الدولة لممارسة صلاحياتها الدستورية في إدارة الشأن الديني وبين تمسك عدد من الأئمة بما يقولون “حقهم” في إمامة مصلين تظهر أن هناك “مفارقة” خطيرة بين ما هو قانوني وما هو ديني، وهي مفارقة تستوجب من الأئمة الاعتراف بشرعية قرارات الدولة وإدارتها للشؤون الدينية. ودفع “تعنت” الأئمة المصنفين أئمة متشددين بعدد من قوى المجتمع المدني إلى التحرك لقطع الطريق أمام “فتنة” قادمة قد تتسلل إلى مساجد تونس حيث أصدر عدد من المنظمات والجمعيات بيانات عبّرت فيها عن مساندتها لقرارات عثمان بطيخ التي قضت بعزل 40 إماما خطيبا مطالبا مفتي الجمهورية حمدة سعيد بأن “يخرج عن صمته ويعبر عن موقفه”. وفي تحول خطير فاضت “أزمة إدارة الشأن الديني” وعزل الأئمة إلى خارج المساجد لتلقي بظلالها على المشهد الحزبي بالبلاد.

مواقف الأئمة الزيتونيين المستنيرين تلتقي مع مواقف القوى السياسية والمدنية التي تطالب الدولة بممارسة صلاحياتها الدستورية في إدارتها للشأن الديني وتحييد المساجد عن الخارطة الحزبية

وعلى الرغم من أن الدستور ينص على أن الدولة هي الجهة الوحيدة المعنية برعاية الإسلام وتحييد المساجد بعيدا عن أي حزب من الأحزاب السياسية يبدي حزب حركة النهضة الإسلامية رفضه لقرارات وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ بإقالة العشرات من الأئمة واصفا إياها بأنها “مؤشرات على عودة التصفيات الأيديولوجية في تعارض تام مع مصلحة البلاد”.

وردا على موقف النهضة يشدد الحبيب الصيد رئيس الحكومة على أن “موضوع تعيين أو عزل الأئمة يعد من مشمولات الحكومة” الأمر الذي يعني أن الدولة تملك لوحدها مشروعية التعيين والعزل والإعفاء. وتلقى الجهود التي تقودها الدولة دعما قويا من الأئمة الزيتونيين وهم يشددون على أن “ظاهرة استحواذ المتشددين على منابر المساجد قادت إلى نشر فكر تكفيري جهادي غريب عن نمط تدين التونسيين الذين يتخذون من المذهب السني المالكي الأشعري المعتدل مرجعية فقهية وعقائدية لهم.

ويحذر أولئك الأئمة من خطورة ارتفاع منسوب الفكر التكفيري الجهادي الذي تسلل إلى العشرات من المساجد حتى أنها باتت تمثل “فضاء للدعاية والتعبئة والشحن الأيديولوجي وتنظيم أنشطة للاستقطاب مثل حلقات دروس “موجهة” لتلقين المصلين عقائد تختلف عن عقيدة التونسيين.

وتلتقي مواقف الأئمة الزيتونيين المستنيرين مع مواقف القوى السياسية والمدنية التي تطالب الدولة بممارسة صلاحياتها الدستورية في إدارتها للشأن الديني وتحييد المساجد عن الخارطة الحزبية باعتبارها دور عبادة لكل التونسيين بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم السياسية.وإزاء تدخل حزب النهضة في مسألة تعيين الأئمة وعزلهم من جهة، و”تعنت” الأئمة المعزولين والمدعومين من طرفها من جهة أخرى، أصدرت وزارة الشؤون الدينية في 22 أكتوبر الماضي بلاغا شددت فيه على أن “الدولة هي الساهرة على تسيير الشأن الديني بالبلاد”.

ويرجع فاضل عاشور رئيس نقابة الأئمة الزيتونيين أزمة إدارة الشأن الديني إلى خلفيات سياسية ملاحظا أن “هدفها سياسي بحت”، لافتا إلى أنها “تندرج في إطار استغلال المنابر كبوق لخدمة حملات الانتخابات البلدية القادمة”. ويقول متابعون للشأن التونسي إن “أزمة إدارة الشأن الديني” في البلاد هي “أزمة مفتعلة” باعتبار أن وضوح الفصل السادس من الدستور الذي ينص على أن الدولة هي الجهة الوحيدة المعنية برعاية الإسلام. ولا يتردد المراقبون في الربط بين “تفجر أزمة إدارة الشأن الديني” وبين تفجر الأزمة داخل حزب نداء تونس” وهم يرجحون وجود خيط سياسي بين الأزمتين تحركه أطراف من أجل الزج بالبلاد في أزمة سياسية عامة.

13