الإسلام الديمقراطي: المعادل الوصفي المستحيل في الإسلام السياسي

الاثنين 2016/05/23

لا يمكن التغاضي عن الادعاء المركزي الذي بني عليه خطاب زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي في المؤتمر العاشر للحركة. فالرجل ذهب بعيدا في تصور التراكيب السياسية التي لا تتلاءم في ما بينها؛ الإسلام والديمقراطية. فقد قال الغنوشي في خطابه “حركة النهضة تكرس التمايز الواضح والقاطع بين المسلمين الديمقراطيين وتيارات التشدد والعنف التي تنسب نفسها للإسلام”.

إذا فتح مجال التساؤل في هذا الخطاب، فإن أولى الإشكاليات المنطقية التي تطرح هي “كيف للإسلام، بكل ما تحمله الكلمة من معنى الدين وما يحيط به من طقوس ومعتقدات، أن يقرن بمعنى الديمقراطية المرتبطة بتقنيات الحكم والأفكار الإنسانية وضرورة الاختلاف وغيرها؟ والأهم من ذلك أن تساؤلات أخرى أعمق تدور في مجملها حول سبب بحث الإسلاميين، بإصرار شديد، على إعادة تعريف اتجاه الإسلام السياسي وفق مصطلحات لا تتناسب مع روح نظرية الحزب الإسلامي؟

“المسلمون الديمقراطيون” حسب راشد الغنوشي تعبير مستلهم من التركيب الذي وضعته شيريل بينارد الباحثة الأميركية في قسم الأمن القومي بمركز راند الأميركي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية في دراسة حملت عنوان “الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات” التي صدرت سنة 2003. ووضعت فيه بينارد الأسس النظرية التي قام عليها خطاب الغنوشي في افتتاح المؤتمر العاشر لحركة النهضة الذي عقد الجمعة الماضي، حيث قالت “بعد أحداث الـ11 من سبتمبر وجب إيجاد بديل عن الحركات الأصولية الإسلامية التي انتهى دورها على الأرض بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وهذا البديل لن يكون موجودا إلا بإقامة تفريق بين الحركات المتشددة والحركات الأقل تشددا التي لا تستعمل السلاح، فالحل بالنسبة للعالم الإسلامي يجب أن يكون إسلاميا ولكن غير عنيف”.

هذا القول يتطابق إلى حدود بعيدة مع جوهر خطاب الغنوشي حين ميّز في الفترة نفسها بين حركته الإسلامية المعتدلة وبين “تيارات التشدد والعنف”، وهذا يشير إلى أن الاتجاه الذي فكرت فيه الباحثة شيريل بينارد غير بعيد عن اتجاه الغنوشي. لكن هل يجوز فعلا الإقرار بالتركيب الهجين المبني على الإسلام والديمقراطية حتى يوجد إسلام ديمقراطي وآخر غير ديمقراطي؟

هناك تعبير عن لغتين مختلفتين تماما في هذا التركيب، اللغة الأولى هي لغة الدين ورجاله وعلاماته ونصوصه ومعانيه، أما اللغة الثانية فهي لغة إنسانية فيها الكثير من التاريخ والثورات والتقنيات والقوانين التي يمكن القول -بصرامة- أنها وضعية دنيوية بامتياز. لقد لعب الغنوشي على ما تبدو له فكرة عبقرية، وهي المزاوجة بين الإسلام كدين والديمقراطية كنظام سياسي. فتحويل شحنة روحية وفكرية وتاريخية قوية مثل الإسلام إلى تداولية سياسية مرتبطة بالديمقراطية يعد هدفا في ذاته، أما كيفية الربط بينهما فالأمر أصبح أشبه بقالب معروف ومتداول ومتوارث بين أغلب الحركات الإسلامية يرتكز في باطنه على أن الإسلام “دين ودولة” أي تلك المقولة الشهيرة لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

يكفي أن يتم التشكيك (كفعل عقلي نقدي) في مدى الترابط بين الدين الإسلامي والديمقراطي للوصول إلى أن الأمر لا يعدو سوى أن يكون لعبا بالمصطلحات لا غير. فالانطلاق من الإسلام للوصول إلى الديمقراطية يكشف نظرة الغنوشي (وبالتالي حركة النهضة) إلى الديمقراطية التي تدور في فلك الفكر الديني لا غير بالنسبة لهم. فالديمقراطية لفظ يحمل العديد من التعريفات والاتجاهات حتى في المدرسة الغربية ذاتها التي ابتدعته، ابتداء من اليونان القديم مرورا بثورة الأنوار فالديمقراطية البرجوازية ثم الماركسية فما بعد الحرب العالمية الثانية وصولا إلى الديمقراطية التشاركية في صيغتها الحالية. فإذا اختلف “أهل الديمقراطية” ذاتهم على المصطلح فكيف لا يكون للإسلاميين تعريف آخر لها يخصهم، وهنا تكمن الأحجية.

للإسلاميين تقليد لا يمكن التغاضي عنه عند البحث في أدبياتهم، وهو حساسيتهم الشديدة من الأنظمة القائمة على فلسفة الدولة الحديثة. إذ لم يخف المنظرون الكبار للإسلام السياسي تناقضهم الصريح مع آلية الديمقراطية في الحكم؛ أبوالأعلى المودودي كفّرها، وحسن البنا قال إنها صنيعة غربية، وسيد قطب حرّمها تماما، وحزب التحرير عوضها بدستور قال إنه دستور الخلافة، وغير ذلك من الحركات التي تعتبر الديمقراطية زندقة وكفرا.

وفي الخضم، نسي راشد الغنوشي أن حركة النهضة التي يرأسها هي حركة إسلامية أولا وقبل كل شيء، أي أنها تنتمي بشكل أو بآخر إلى تلك العائلة التي ذكرت، ونسي معها أن الحركات الإسلامية لا يمكن لها تبني الديمقراطية كمصطلح حديث ووضعي، وإذا كان الموقف منه متساهلا فيمكن القول أن الغنوشي بالتأكيد كانت له قراءة خاصة للديمقراطية عند إلقائه الخطاب، والغالب أن تلك القراءة لم تخرج من دائرة الإسلام السياسي ورؤيته للديمقراطية وإلا لم يعد للأمر أي معنى في الربط أصلا بين الديمقراطية والإسلام.

الاستنتاج هنا أن الغنوشي لم يقم في ذلك الخطاب، الذي أثار إعجاب البعض بالتغيير الذي حدث في أدبيات النهضة، سوى بتغيير كلمة سياسي بديمقراطي، والقصد هو ذاته في كلتا الحالتين؛ الإسلام السياسي أصبح الإسلام الديمقراطي، دون خروج عن المدلول العام.

الآلاف من الناس حضروا المؤتمر وتابعوه على شاشة إحدى المحطات الخاصة، والكل صفق بحرارة وصاح بحماسة حتى وصل الأمر بالبعض من الكتاب إلى القول إن الحركة “تفتتح عهدا جديدا” في أفكارها وأدبياتها وسياساتها، لكن الواقع غير ذلك، فقد انتشوا بخطاب تمت فيه عملية تركيب متقنة غيرت الشكل وأبقت على المضمون. فالخطاب ملغوم بقنابل لا حصر لها، والقنبلة الأكبر هي الإسلام الديمقراطي التي أثارت انتباه العديد من المتابعين. لكن المشكلة تبقى دائما في المتلقي وليس السياسي، فالسياسي من حقه اللعب بالخطاب متى شاء، وما على المتلقي سوى التحصن بالنقد والانتباه، وهي مهمة طويلة نسبيا قد لا تكتمل إلا في حالة القبض على “إسلامي ديمقراطي” بصدد تكفير أحد النشطاء العلمانيين.

كاتب وصحافي من تونس

7