الإسلام السياسي

الأربعاء 2013/09/25

اجتماع السلطتين الدينية والسياسية في رجل واحد كان سمة عصر النبوة والرسول محمد سيد الخلق حيث جمع بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وانتهى بوفاته وبانقطاع الوحي، فلا مجال لأحد بعد الرسول أن يساوي نفسه به صلى الله عليه وسلم. وما سيأتي بعد ذلك سواء في العصر الأموي أو العباسي أو في العصر الحالي ما هو إلا تلبيس للدين على السياسة، وإطلاق المقدس وهو الدين على الحاكم ووصف كل من يعارضه بالمدنس وهنا تكمن الخطورة، كما قال أحد دعاة الإسلام السياسي اليوم راشد الغنوشي حين قال: «أشد أنواع الطغيان هو ما سيأتي باسم المقدسات».

جاء إضفاء صفة المقدس واستعمال الدين في السياسة تاريخيا بصفتين؛ إما الطرح الأيديولوجي للخطاب الديني مثل جماعات الإسلام السياسي وأشهرها الإخوان المسلمون. أو استعمال العرق والنسل الشريف، وهنا أيضا تكمن الخطورة في توظيف الدين لمصلحة السلطة والحكم باسم الدين بدلا من الحكم بالشورى وبالعدل باعتباره أساس الحكم .

نشأت نظرية فصل الدين عن الدولة في الغرب المسيحي وفق سياق تاريخي معروف ونجحت نجاحا باهرا مثل ما نرى اليوم من علامات الرفاهية والسلام والتنمية التي تعيشها تلك الدول. وهذه الفكرة لا يمكن إسقاطها خارج إطارها ونقلها إلى بيئة مخالفة بسبب طبيعة الدين المسيحي التي تختلف عن الدين الإسلامي، وكذلك لما يحتويه الإسلام من مشروع حياة شامل فلا يمكن إسقاط الفكرة علي بيئة مخالفة تماما، وإلا نصبح كمن يتزلج في الصحراء الكبرى.

وكما أسلفت أن الإسلام مغاير للمسيحية من حيث البنيوية والمنهجية، باعتباره يحتوي داخله مشروعا سياسيا لا يمكن معه الفصل بهذه الطريقة.

وبالمقابل لم يتبلور إلى هذه اللحظة مشروع سياسي إسلامي ناجح تحت مظلة الإسلام، ولو نظرنا إلى الخارطة الجيوسياسية فلن نجد إسلاما سياسيا واحدا موحدا؛ فمن إسلام آية الله في إيران، إلى إسلام «علماني» في تركيا، إلى إسلام كهوف تورابورا، وإسلام الخلافة عند حزب التحرير، إلى إسلام القاعدة، إلى الإخوان المسلمين والسلفية، وغيرها من الفرق والملل والنحل، وكل يدعي أنه الفرقة الناجية.

وكل تجربة من هذه التجارب لها عيوب ولها ميزات عند البعض، حيث يوجد من يرى أن الجماعات الأكثر تطرفا قد توفر مشروع مقاومة للتغريب والانبطاح أمام كل ما هو غربي خاصة في مستوى الثقافة.

وهذا التصوّر يعكس الإشكالية التي أصبحت تواجه المسلمين، وخاصة الشباب منهم الذين يملكون ثقافة إسلامية وسطية، فيجد نفسه متجها إلى أحد النقيضين؛ إما التغرب ومعاداة الإسلام بمشروعه الحضاري ويرى في سلوك بعض المسلمين عيوبا في الإسلام نفسه، متناسيا أن الإسلام حجة على المسلمين والمسلمين ليسوا حجة على الإسلام. وإما التطرف ومعاداة الغرب بمشروعه الحضاري ويرى فيه مجرد عدو.

أقول بالمجمل لا يوجد اليوم مشروع إسلام سياسي ناجح يستطيع أن يلتزم بالمبادئ الإسلامية الوسطية السمحة، وفي نفس الوقت يحاكي العصر وبداخله مشروع للتنمية المستدامة. فالإسلام عقيدة وحضارة معا؛ عقيدة للمسلم وحضارة لغير المسلم والمسلم معا، حيث يستطيع غير المسلم أن يعيش داخله في أمن وأمان.

يعتمد النظام السياسي في الإسلام على التشريعات الفقهية المستمدة من النص القرآني وسنة سيد الخلق. وانتقالا لكتابات بعض الفقهاء الذين كتبوا في الإسلام السياسي أو نظرية الحكم الإسلامي كالماوردي في كتابه الأحكام السلطانية وابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية وابن الجوزي والغزالي وغيرهم من المحدثين فكلهم لا يخرجون عن القاعدتين الأساسيتين لنظرية الحكم الإسلامي هما مبدأ العدالة والشورى، والذي تنص عليه معظم الدساتير الحديثة اليوم، ولكن في التطبيق الواقعي لم نصل إلى ذلك لعدة أسباب باتت أقوى من التشريع وهي التفسير الخاطئ للدين من ناحية وكذلك التعصب الديني داخل المنظومة الدينية نفسها من ناحية أخرى.

فمبدأ العدالة يعني تطبيق قول الرسول (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) والعدالة تعني التوزيع العادل للثروة، والمساواة أمام القانون في كل شي. أما مبدأ الشورى فينصّ على قاعدة المشاركة في القرار السياسي. ومن هنا نخلص إلى أن التشريع الإسلامي لم ينص على أي نظام حكم بعينه؛ فرديا كان أم ديمقراطيا، ملكيا أو جمهوريا. لكن الأهم هو الحرص والتأكيد على هذين المعيارين الديمقراطيين اللذين يضمنان الحقوق والواجبات.

لذلك قد يكون لعديد الأحزاب أو التيارات الإسلامية خطة أو برنامج عملي للوصول للحكم ولكنهم يفتقرون لبرنامج ما بعد الوصول للحكم، وهنا يكمن الفراغ لأن أغلب التيارات أو الأحزاب قد تنجح في الوصول للحكم ولكن تخيب آمالها في البقاء في الحكم لفقدانها للبرنامج التنموي العملي الحقيقي المدروس.


كاتب ليبي

9