الإسلام السياسي.. أخطاء الحكم وفشل تجانس المفاهيم

الاثنين 2013/10/07
الجماهير تفطنت بسرعة إلى أن وعود الإسلاميين مجرد شعارات للتسويق

كان لابد من التمييز بين هذه الممارسات والقائمين عليها وبين ما نادى به الإسلام. وفي الوقت الذي أدت فيه ثورات الربيع العربي إلى تحقيق مكاسب سياسية كبيرة للإسلاميين في مصر وتونس وليبيا، لم يتوصل هؤلاء حتى الآن إلى بلورة مشروعهم أمام الجماهير أو تطبيق شعاراتهم القديمة على أوضاع الناس في حياتهم الاجتماعية اليومية، ومن المرجح أن يكونوا قد خسروا الرهان وبات سقوطهم أمراً حتمياً في الدول العربية.


الجماهيرية المضللة

وفي هذا الصدد قال رضا أصلان الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أن الأحزاب الإسلامية استفادت في بداية تكوينها من حسن تنظيمها وسمعتها، لأن المواطن لا يتصور أن يكون الشيخ فاسدا أو مختلسا وغيرها من الصفات التي يتصف بها السياسيون ومن في الحكم، لكن هذه الأحزاب الإسلامية يواجه بعضها الآن تحديات الحكم، وبالتالي لا يمكن الحفاظ على الصورة النقية مع الوجود على رأس السلطة السياسية.

وأشار أصلان إلى أن قوة الإسلاميين تعود إلى جماهيريتهم الواسعة واعتقاد مؤيديهم بأنهم على صواب حتى لو فعلوا الأمر الخطأ.

وبسبب تأويلهم الديني لجميع القرارات والأحداث فإن العقيدة الفكرية للموالين ترسخت أن قادتهم الإسلاميين منزهين عن الخطأ، ولو حدث فإنهم يستخدمون حجة «أنساني الشيطان». وما حدث في مصر من سقوط مدوّ لجماعة الإخوان المسلمين أثر بشكل كبير على باقي الأنظمة الإسلامية لدول الربيع العربي.


فجوة بين التنظير والممارسة

ومن جهته يرى إبراهيم موسى أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر،أن الإسلام السياسي تراجع كثيراً في الشرق الأوسط، بسبب الممارسات الخاطئة في الحكم. وكان من الطبيعي أن يحتل الإسلام السياسي مكانة بارزة في أقطار مثل مصر وتونس بعد سقوط أنظمتها، لأن الإسلاميين كانوا الأكثر تنظيماً من المعارضة. ومع الممارسة الفعلية على أرض الواقع السياسية فعل الإسلاميون ما بوسعهم لتعلّم أساسيات الممارسة السياسية والانتخابات والديمقراطية وأساليب الحكم وإدارة البلاد، رغم أن هذه المبادئ كانت ضد فكر الإسلاميين لكنهم اضطروا إلى التراجع عن أفكارهم من أجل السلطة.

وأكد إبراهيم موسى أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر تعد أقدم من جميع المنظمات السياسية الإسلامية العاملة حاليا، ولها باع طويل من العمل السياسي ومواجهة السلطة، ومع ذلك خاضت معركة سياسية متوترة مع العلمانيين والليبراليين، ولم تستطع الصمود إلى أن سقطت من الحكم.

وأضاف أن فئات واسعة من سكان مصر محافظين دينيا، وكانوا يأملون وأن يلعب الإسلام دورا مؤثرا في حياتهم سواء سياسيا أو اقتصاديا، خاصة وأن الجماعة تبنت نظريا الأخلاق والقيم وشعارات الإسلام، وهذه هي الطريقة التي نجحت في الوصول بهم إلى السلطة، وهي الطريقة نفسها التي عجلت بسقوط الإخوان من الحكم بعد أن اكتشف من انتخبهم حجم خداعهم.


انتهاء مفعول "المظلومية"

ثروت الخرباوي القيادي السابق بجماعة الإخوان المسلمين لمّح إلى أن العملية السياسية تعتمد على المراوغة والخداع والسعي إلى تحقيق المصالح بأي طريقة، وإذا كان صعود الإسلاميين للسلطة بحجة أنهم كانوا معارضة مضطهدة، فإن الأمر كلفهم كثيرا وابتعدوا عن التقوى والاستقامة، فالنجاح يعني الاعتدال أما الفشل فإنه يعني الاحتجاج. فعندما قامت الثورة الإيرانية عام 1979، كانت حدثا فريدا، ولم تكن ثورة إسلامية كما ادعى القائمون عليها لاحقا، حيث شارك في صنعها الماركسيون والشيوعيون والعلمانيون والديمقراطيون، والرجال والنساء ورجال الدين، انطلاقا من رغبتهم في سقوط «شاه إيران».

وأكد الخرباوي أن الغرب يضع دائماً أمام عينيه دول ما بعد الثورة من أجل درء احتمال الصراع وعدم الاستقرار، وحتى لا يسمح للجماعات الدينية بتولي السيطرة الكاملة على البلاد، ولذلك قامت الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع حكومة إخوان مصر قبل السقوط، وكذلك مع الحكومات التي يقودها الإسلاميون في ليبيا وتونس، حرصاً على عدم تكوين لوبي إسلامي معادي لإسرائيل، أو معاقبتها بعد ترسيخ أركانهم في الحكم.

واستدل على ذلك بمقولة وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه دايان الشهيرة «لا ينبغي التفاوض مع أصدقائك بل يمكنك التفاوض مع أعدائك»، ولذلك نجد إسرائيل في مفاوضات مستمرة مع حماس عندما يتعلق الأمر بالمسائل الأمنية وموارد المياه، رغم تصنيف حركة حماس بأنها منظمة إرهابية، لكن الأمر يتغير تماما من أجل مصالح إسرائيل.


ظاهرة "القومية الدينية"


وفي رأي عمار علي حسن الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أن الإسلام لا يعني أكثر من أنه عقيدة للقومية الدينية للطائفة الإسلامية حول العالم، كما أنها نفس النوع من القومية الدينية التي يراها المرء في المسيحية بين الكاثوليك والأرثوذكس، ونفس الأمر في الهند عند حزب بهاراتيا جاناتا الذي يؤمن بالعقيدة الهندوسية، ويهدف إلى دمج التدين الهندوسي مع الدولة. وفي إسرائيل هناك من يريد تغليب الصهيونية ومن يقول بأنها أرض التوراة، ولذلك فإن القومية الدينية أصبحت ظاهرة عالمية، والإسلام مجرد ديانة في هذا المصطلح العالمي.

وكما هو واضح تختلف مظاهر التطبيق بين كل دولة وأخرى اعتمادا على المعتقدات الفعلية والممارسات السياسية، كما حدث في تركيا التي يرى الكثيرون أنها نموذج ناجح لتطبيق الإسلام السياسي المتمثل في حزب العدالة والتنمية، ونفس التجربة لم تنجح في دول الثورات العربية، موضحا أن ذلك لا يعني أن جميع أشكال النشاط الإسلامي المعاصر تنطوي على محاولة الاستيلاء على الدولة، فهناك قسم كبير من هذه الحركات تنطوي على أنشطة الدعوة الأخرى مثل الوعظ والزكاة وتوفير الرعاية الطبية وبناء المساجد وغيرها، ومع ذلك فإن هذه الأنشطة تعد بمثابة انخراط في المجال السياسي لخدمة أهداف الحزب الحاكم، وغالبا ما تنافس مؤسسات الدولة في ذلك.

وفي السياق ذاته أكد أحمد بان الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، أن زيادة الاعتراف والوعي بالفهم الإسلامي يدفعنا إلى ضرورة تطبيق بعض المفاهيم الغربية في الدين والسياسة والعلمانية، وإمكانية تطبيقها داخل الدول العربية، وقد حاولت جماعات الإسلام السياسي في دول الثورات العربية السير على هذا النهج، إلا أنها فشلت بسبب عدم التجانس والمرونة في تطبيق المفاهيم الإسلامية، حتى ظهرت مصطلحات كثيرة ومتنوعة مثل السياسي الإسلامي، أو المتأسلمين أو الدولة المتأسلمة، وغيرها من قرائن الفشل في تطبيق ودمج الدين بالسياسة.

13