الإسلام السياسي أمام معضلة نقل تقاليد المسجد إلى الدولة

الخميس 2014/04/17
جماعة الإخوان تحتاج إلى إعادة هيكلة

القاهرة - “العرب” استطلعت آراء رموز في الحركة الإسلامية وبعض الباحثين المتابعين لها، حول مستقبل تيار الإسلام السياسي بشكل عام، في الوقت الذي ظهر “فقه المراجعات” ليحتل مرتبة الريادة ضمن أبرز الحلول التي على الإسلاميين اتباعها من أجل تصحيح أخطاء الماضي، ومواجهة أزمة الاجتثاث التي يواجهونها اليوم.

قدّمت “ثورات الربيع العربي” خدمة تاريخية للحركات الإسلامية، وفتحت لها الباب أمام سدّة الحكم.

لكن لم تكد تمضي بضعة أشهر على استلام الإخوان الحكم في مصر، وسيطرة حركة النهضة في تونس على الحكومة، حتى واجهت هذه الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي أزمة عاصفة أدت إلى خروجها من الحكم وهي تهدّد اليوم باقتلاعها من جذورها في حال لم تقم هذه الأحزاب بمراجعة شاملة لميثاقها وسياستها وتوجهاتها.

فهذه الحركات الإسلامية تعتمد ضمن مرجعياتها على مفاهيم سياسية كلاسيكية من التراث السياسي الإسلامي والتي لا تتلاءم مع مصطلحات الدولة الحديثة المبنية على مفهوم المواطنة أساسا، لذلك انهارت بسرعة، رغم أنها وجدت الأرضية لتفوز في بداية التحوّلات التي طرأت على البلدان العربية التي شهدت سقوط أنظمتها.

في البداية بحث المواطن العربي، في هذه البلدان عن التغيير، متأثّرا بالحملات الانتخابية التي قادتها هذه الأحزاب وتركّزت بالخصوص على الجانب الاجتماعي للفئة الهشّة التي تشكّل غالبية في المجتمعات العربية. لكن ومع وصولهم إلى الحكم، فشل الإسلاميون في تحقيق انتظارات منتخبيهم.

هذا الفشل مردّه بروز صراع بين الدولة المدنية الموجودة و”الدولة الدينية” المنشودة، فالهوّة عميقة بين الخطاب الديني التقليدي للتيارات الإسلامية وواقع بلدان، مثل تونس ومصر قطعت أشواطا في طريق الحداثة.

لذلك سرعان ما نزع التونسيون والمصريون “القداسة” عن خطاب الإخوان وتعاملوا معهم كنظام حاكم يهدّد مكتسبات دولة الاستقلال لحساب مآرب خاصة، لعلّ أخطرها كما يقول باحثون ومختصّون في التيارات الإسلامية المساعي إلى “إقامة دولة خلافة إخوانية”. كما أن الوقائع برهنت على أن مشروع الإسلام السياسي المسوق أميركيا في دول الربيع العربي خطر على الديمقراطيات الناشئة. وفي رأي مؤسس تنظيم الجهاد السابق بمصر، نبيل نعيم، يجب على التيار الإسلامي، إذا أراد أن يؤهل نفسه مُجددا للعودة إلى قيادة المشهد السياسي، أن يُحدد مواقفه مُسبقا من عدد من القضايا، وأن يراجع تصرفاته.

وأبرز تلك المحاور الرئيسية التي يلزم مراجعتها، هو ما يتعلق بأعمال العنف، ورؤيته إلى معنى الوطن، خاصة أن واحدة من أدبيات الحركة الإسلامية وجماعتها المختلفة أنه لا وجود لـ “الوطن” فيها، ولا يقبلون بالأمر الواقع، وبالتالي فعليهم أن يراجعوا مواقفهم من كل تلك القضايا والأخطاء التي وقعوا فيها، لطرح أنفسهم مُجددا أمام الشعوب.

ناجح إبراهيم: التيار الإسلامي كان له رجال دعوة، ولم يكن له رجال دولة


لعبة الإسلام السياسي


ويعرّف مصطلح “إسلام سياسي” بأنه مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره “نظاما سياسيا للحكم”. وتتعدّد الحركات التي تنضوي تحت لواء هذا التيار، وتعد جماعة الإخوان المسلمين الجماعة الأبرز عربيا ودوليا، خاصة وأن لها تنظيما دوليا وفروعا في مختلف أنحاء العالم.

هذه الحركة نشأت على يد حسن البنّا سنة 1928 في مصر، وانتقلت في الثلاثينات من حركة تُعنى بالإصلاح الاجتماعي إلى حركة سياسية ناشطة، وأصبحت من عداد الجماعات الرسمية في عام 1939.

نتيجة اتباعها نهج العنف والتطرّف، تعرضت جماعة الإخوان عام 1958 للحظر. وفي 1973 منحها الرئيس الراحل أنور السادات مساحة من الحرية لضرب المعارضين له. وكان لهم في هذه المرحلة أثر كبير في الشارع المصري، حيث باشروا بإعادة هيكلة التنظيم من أجل المشروع الإسلامي.

في الثمانينات بدأت الجماعة في صقل كفاءة التنظيم وتطوير قدراته، وصياغته على مثال الدولة نفسها حتى في أدق تقسيماته التي تتماهى مع التقسيمات الإدارية للدولة، فمكتب الإرشاد يوازي مجلس الوزراء، ومجلس الشورى يقوم بمهام البرلمان، ومكاتب الجماعة الإدارية هي نفسها المحافظات.


أفكار نظرية لا تطبيقية

بعد سنوات من العمل في المنفى وعلاقة شابها مدّ وجزر مع نظام حسني مبارك، اندلعت الثورة في مصر وأسقطت أصوات الشباب والفئات المهمّشة والمظلومة النظام، الأمر الذي أفسح المجال للإخوان ليدخلوا مصر آمنين، بدعم من قطر وأميركا، ويصلوا إلى الحكم، في انتخابات، وإن كانت وفق وصف البعض “شرعية” و”ديمقراطية”، إلا أنها كانت أيضا السبيل الذي أزاح الغطاء عن الفجوة الكبيرة بين الأفكار والطموحات النظرية للإسلاميين وبين الحقائق الموجودة على الأرض التي تجعل من تلك الأفكار غير قابلة للتطبيق لأن تاريخ صلاحيتها انتهى.

"وورلد تربيون" الأميركية: هناك خطط لاستهداف المنشآت الحيوية، بما في ذلك مطار القاهرة الدولي، واقتحام السجون لإطلاق سراح المسجونين من الإخوان ونشر الفوضى خلال الانتخابات الرئاسية القادمة

وقد عبّر المفكّر فرانسيس فوكوياما عن كل ذلك بقوله: “الرأي العام اليوم لا يجري في صالح الليبراليين العلمانيين من أنصار الغرب، وإنما يؤيد الإسلاميين في العديد من البلدان العربية.. وهذا يعني أن الانتخابات الديمقراطية غير الناضجة ستأتي حتما بالمسجد إلى الساحة العامة، والمتسامحون سيخلون الساحة للمتطرفين الذين لن يسمحوا بعد ذلك بتداول السلطة”.

في ذات السياق، فسّر القيادي السابق بالجماعة الإسلامية ناجح إبراهيم، هذا السقوط بقوله إن “التيار الإسلامي في الأساس كان لديه مشروع حقيقي للدعوة، بينما لم يملك مشروعا سياسيا نابضا، وبالتالي كان له رجال دعوة، ولم يكن له رجال دولة”.

مستقبل الحركة الإسلامية

لم يكن التوافق مع بقية الأطياف السياسية سمة من سمات الحكم، فيما استمر التدهور الاقتصادي وتعقد المشهد الأمني حيث ظهر شبح “الإرهاب” في سيناء وتفجرت موجات من العنف السياسي وتداعياتها الخطيرة التي لا تتوقف عند تهديد مشروع تحول مصر إلى الديمقراطية فحسب بل إلى تهديد كيان الدولة بكامله.

وقد يكون أحد أهم أسباب سقوط مرسي كرئيس وكمشروع إسلامي هو عدم قدرته على حل الإشكالية الدينية التي أحاطت بمفهوم بناء دولة القانون والمؤسسات، فإن استحضار تعاليم الإسلام والفروض الدينية والاعتماد على التيار الإسلامي لم تعطه فرصة صياغة دستور للبلاد يتماشى مع تطلعات المصريين، فثار الشعب من جديد بمشاركة جماهيرية حتى من حلفاء الأمس نتيجة أخطاء الإخوان في السعي إلى أخونة الدولة والميل إلى “تديين” الفضاء العام (التعليم والقضاء والإعلام والتشريع)، واستفرادهم بالحكم وإقصاء وتهميش الشعب المصري بكافة أطيافه، ومصادرة ثورته وتبديد حلمه بالحرية والديمقراطية. ومع ازدياد العنف كان لابد من سقوط الإخوان وإعلانهم “تنظيما إرهابيا” من قبل الحكومة المصرية، في خطوة حذت حذوها المملكة العربية السعودية، ومن المنتظر أن تتبعها بريطانيا التي تجري أجهزتها هذه الأيام تحقيقا بشأن أنشطة الجماعة بلندن وعلاقتها بأعمال العنف، وذات القرار أعلنه البرلمان الكندي. كما يتحدّث مراقبون وخبراء عن توقّع حدوث انقلاب في السياسة الأميركية الداعمة للإخوان المسلمين وفق ما تقتضيه المصلحة، وهو ما يشكّل ضربة قاسية للتنظيم الدولي للجماعة وفكرة أن الإسلام السياسي قادر على قيادة المجتمعات.

وحمّل ناجح إبراهيم الجماعة في مصر مسؤولية الشرخ الذي حدث بين الشعب والإسلاميين، قائلا في تصريحات لـ”العرب” إن “تجربة الإخوان في مصر أضرت بالحركة الإسلامية عموما، وأعادت التيار الإسلامي إلى المربع السلبي أو المربع الصفري، خاصة مع دخول جماعات وعناصر إرهابية للساحة وارتباطها بالإخوان، في مصر مثلا، وهو ما أسهم في تعزيز وجهة النظر الرافضة للإخوان في الشارع المصري والعربي”.

نبيل نعيم: الحركة الإسلامية تحتاج إلى مراجعات تستمر من 5 إلى 10 سنوات

الرأي ذاته يقرّ به نبيل نعيم، الذي أكّد، في تصريحات لـ”العرب”، أن هناك صعوبات عديدة تواجه الحركة الإسلامية، وذلك على وقع النموذج السلبي الذي قدّمته جماعة الإخوان المسلمين في مصر، عقب ثورة 25 يناير 2011 وحتى الآن، لافتا إلى أن ما حدث للإخوان المسلمين، جعل الحركة الإسلامية تحتاج إلى ما بين 5 إلى 10 سنوات، لطرح نفسها من جديد في الشارع العربي، وليتقبل المواطنون وجودهم مرة أخرى.

وحدد ناجح إبراهيم 5 ملفات هامة يجب أن يحسمها الإسلام السياسي في مراجعات فكرية شاملة، إن أراد العودة إلى المشهد مُجددا، في مُقدمتها أن يعيد النظر في العلاقة بين الجماعات وأحزابها السياسية، خاصة في ظل التجربة السلبية التي ظهرت في مصر من خلال العلاقة بين جماعة الإخوان وحزبها السياسي “الحرية والعدالة”، وجماعة الدعوة السلفية وحزبها “النور” والجماعة الإسلامية وحزبها “البناء والتنمية”، إذ يجب الفصل بين الجهتين.

وثاني تلك الملفات التمييز بين العقائدي الثابت والسياسي المُتغير، عبر التمييز بين الدعوي الثابت والإداري السياسي المتغير، والثالث تَقديم مصالح الأوطان والإسلام على مصالح الجماعات والتيارات، لأن ما كان يحدث سابقا هو أن التمحور كان حول الجماعة لا الوطن والإسلام، والرابع التفريق بين الإسلام المعصوم وبين الحركة الإسلامية غير المعصومة، أما الخامس فيتعلق بإعادة النظر في تقبل النقد الموجه إلى الحركة ، وهو موجه إليها وليس إلى الإسلام.

ونفى إبراهيم وجود مؤشرات ملموسة على سطح الأرض تؤكد اتجاه الحركة الإسلامية إلى تلك المراجعات والملفات التي يجب إعادة النظر فيها، مكتفيا بالإشارة إلى أن التيار الإسلامي يعتمد الآن على “نظرية المؤامرة” التي يتم من خلالها تبرير هزائمه وأخطائه، وإلقاء اللوم عليها في النهاية في ما يتعلق بما وصل إليه من تردٍ وتهاوٍ، وبالتالي فإن “فقه المراجعة” أمر ضروري جدا ويجب أن تتبعه تلك الجماعات، وتجري تقييما صحيحا لفكرها، وترصد أخطاءها وتعالجها، مضيفا أن الحركة الإسلامية ليست أهم من الوطن نفسه.

أفرز الوضع الراهن جُملة من التحديات أمام الحركة الإسلامية عامة، وفق الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد، الذي يرى أنه، ومن ضمن الأسباب الرئيسية التي تجعل الفرصة صعبة أمام التيار الإسلامي، هو الرفض الشعبي في الدول العربية للإسلاميين، وكذلك رفض الحكومات والأنظمة، على وقع ما حدث لجماعة الإخوان المسلمين في مصر”.

7