الإسلام السياسي السني في لبنان وتباين المواقف من حزب الله

الجمعة 2013/12/06
بعض تيارات الإسلام السياسي السني في لبنان ترتبط بوشائج سياسية تكتيكية مع حزب الله

تأسست الجماعة الإسلامية، كبرى الحركات السنية في لبنان، في أواسط الخمسينات بمبادرة من الداعية فتحي يكن، الذي خرج مع رفاقه من جماعة «عباد الرحمن» ليؤسس ضمناً فرعاً للإخوان المسلمين تحت اسم الجماعة الإسلامية، والتي لم تنل ترخيصاً رسمياً حتى عام 1964.

برزت قوة الجماعة في أول انتخابات بعد اتفاق الطائف عندما فازت بثلاثة مقاعد نيابية في البرلمان اللبناني، لكن كتلتها تقلصت إلى نائب واحد عام 1996، ثم لتخسر كامل تمثيلها في دورة العام 2000 فسجلت تراجعا ملحوظاً وظهرت خلافات بين بعض قياداتها، نتج عنها تنحي وخروج الأمين العام فتحي يكن وتغيرات جذرية في القيادة. في انتخابات عام 2005 آثرت الجماعة الانسحاب، إلا أنها عام 2009 دخلت المجلس النيابي عن مقعد بيروتي بعد تحالف مع تيار المستقبل.


تيارات سنية موالية لحزب الله


وتعد جبهة العمل الإسلامي من أهم الحركات الإسلامية السنية الموالية لحزب الله والمنضوية في إطار تحالف 8 آذار، وقد أسسها الداعية فتحي يكن في آب (أغسطس) 2006 بعد خروجه من بين صفوف الجماعة الإسلامية، دون أن ينجح في إحداث أي انقسام فيها، وهو الذي كان من أبرز مؤسسيها التاريخيين.

وقد حاولت الجبهة أن تلعب دوراً فاعلاً خلال أحداث 7 أيار(مايو) 2008 إلى جانب حزب الله في المناطق السُّنية على المستوى العسكري، إلا أن ذلك الدور كان هامشياً إلى أبعد الحدود فما إن انكشفت مواقفها حتى عانت من انشقاقات، فقد خرجت مجموعات عديدة منها، وعقدت مؤتمرات صحفية في طرابلس حيث تمركزها الأساسي.

أما حزب التحرير الإسلامي في لبنان فانتشرت أفكاره عن طريق الطلبة الأردنيين في الجامعات اللبنانية، وكان مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني أثناء إقامته في دمشق كثير التردد على بيروت، حيث أقامت زوجته اللبنانية، إلى أن استقر نهائياً هناك، منذ النصف الثاني من الخمسينات وحتى وفاته. وقد حصل الحزب على ترخيص بمزاولة النشاط السياسي في عام 1959 بناءً على طلب تقدم به عدد من أوائل الأعضاء اللبنانيين منهم علي فخر الدين وطلال البساط ومصطفى النحاس ومنصور حيدر ومصطفى صالح، ومع ذلك تعرض الحزب للعديد من الملاحقات والاعتقالات بسبب مواقفه السياسية ولم يستفد من هذا الترخيص بأي شيء على المستوى المؤسساتي.


حزب التحرير: رفض الكيان اللبناني


مع تزايد الاحتقان في الشارع الإسلامي، وتزايد الحديث عن فتنة سنية شيعية إزاء التسريبات الإعلامية المتكررة عن تورط عناصر من حزب الله في اغتيال الرئيس الحريري؛ يعود الحزب إلى إصدار بيان شامل يتضمن رؤية تحليلية تاريخية لنشوء الكيان اللبناني وواقع التركيبة الطائفية فيه مؤكداً على أن المسلمين الذين كانوا رافضين لهذا الكيان وألحقوا به رغم أنوفهم، ثم ثبته الفرنسيون جعلهم يقبلون بالاندماج نسبياً في الكيان الجديد، فكان أسوأ ما انجرف إليه المسلمون ـ كما يرى الحزب ـ أنهم قبلوا أن يكونوا طائفة من الطوائف اللبنانية.

ومن الجمعيات السلفية الناشطة اليوم مركز السنة ووقف التراث الإسلامي الذي يديره ويشرف عليه الشيخ صفوان الزعبي وأصبح اليوم يديره الشيخ نديم حجازي ويشرف عليه بدءاً من نيسان(إبريل) 2010 والذي يقيم علاقة قوية مع السلفيين الكويتيين، وقد نجح هذا التيار في إقامة سلسلة من المؤسسات التربوية والطبية والإسلامية في سنوات قليلة ومنها ثلاث مدارس في حلبا ووادي خالد في عكار وعاصون في الضنية في شمالي لبنان، ومدرسة الأخوة اللبنانية الكويتية في أبي سمراء ومركز طرابلس الطبي للتحاليل المخبرية وعيادة للأسنان وعيادة طبية تخصصية، فضلاً عن المستوصفات الطبية في العديد من الأحياء والقرى في طرابلس والشمال.

يرفض السلفيون الإصلاحيون عموماً في لبنان انتهاج العنف، ويعملون ضمن إطار القوانين، ولكن بما لا يتعارض وأصول الشريعة الإسلامية وفق قناعاتهم، هم طاقة إسلامية ناهضة لكنها غير مسيسة وغير موحدة، ويغلب عليها صيغة التيار أكثر من كونها تنظيماً، وهم في غالبيتهم في ظل الاصطفاف القائم في لبنان حالة سنية مستقلة. لكن ما يتعلق بالسلفية الجهادية برز اهتمامها في لبنان من خلال سلسلة المقابلات والبيانات، التي أصدرها صالح القرعاوي القائد الميداني في كتائب عبد الله عزام التي تشرف على عمل سرايا زياد الجراح المسؤولة عن ثلاث عمليات في جنوب لبنان، والتي ظهرت نصوصها كاملة على موقع الفجر المعتمد من تنظيم القاعدة.


توجس أو تحالف أو حياد


يمكن رسم خريطة القوى الإسلامية السنية وفق التجاذبات الراهنة على ثلاثة خطوط:

الأول يتمثل في اقترابه وفي تحالفه أحياناً مع تيار المستقبل وهو يضم خليطاً من قوى سلفية وتجمعات إسلامية محلية وشخصيات وجمعيات وهيئات تنظر بقلق لتنامي دور ونفوذ الشيعة في لبنان، وهي ترصد بدقة المحاولات التي يقوم بها حزب الله للتمدد في المناطق السنية مباشرةً أو عبر حلفائه من الحركات الإسلامية السنية سياسياً وأمنياً.

في الواقع نجح حزب الله في اختراق بعض هذه المجموعات، وفتح حوارا مع بعضها وانقلبت بعض مواقف هذه المجموعات وأصبحت إلى جانبه. وقد بدأت الصلات مع الداعية فتحي يكن، ثم تابعها الحزب إلى أن أثمرت الوثيقة الشهيرة مع بعض التيارات السلفية، وصولاً إلى استقطاب بعض المجموعات الصغيرة في طرابلس، وأخيراً استخدم الحزب نفوذه لإنقاذ الداعية السلفي عمر بكري من حكم غيابي ضده في المحكمة العسكرية.

أما الخط الثاني فيضم قوى وحركات إسلامية سنية متحالفة مع 8 آذار وحزب الله؛ وأبرزها جبهة العمل الإسلامي، التي تضم في صفوفها حركة التوحيد الإسلامي بجناحيها، وبعض الهيئات القليلة الفاعلية، وجمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش)، ورغم إن هاتين الحركتين في محور سياسي واحد إلا أن خطوط الصراع والتنافس السياسي بينهما مفتوحة والحقيقة فإن «الأحباش» يمثلون في الساحة السنية ظاهرة، وإن أخذت في الانكماش في الآونة الأخيرة، إلا أنها ظاهرة قامت بالسجال والنقد مع غالبية التنظيمات والحركات الإسلامية.

أما الخط الثالث فهو يحاول أن يميّز نفسه بخطاب سياسي مستقل إلى حد ما، يمكن أن نضع الجماعة الإسلامية ضمن هذا الخط ،على الرغم من أن الجماعة تجد نفسها دائماً مضطرة لأن تكون أقرب إلى تيار المستقبل، إلا أنها تميّز نفسها عن الباقين بعدم اتخاذ مواقف حادة وبسعيها الدائم لفتح حوار مع حزب الله ومع الحركات الإسلامية الأخرى، محاولة تشكيل خطاب وسطي في ظل التجاذبات التي تشهدها الساحة اللبنانية.


ملخص من بحث «الجماعات والتيارات الإسلامية السُّنية في لبنان…» للباحث عبد الغني عماد، والمنشور ضمن الكتاب الخامس والخمسين (يوليو 2011) «كيف ينظر الإسلاميون إلى بعضهم»، الصادر عن مركز المسبار للدرات والبحوث ـ دبي.

13