الإسلام السياسي الشيعي والسني.. تاريخ الأواصر وتشابه السرديات

فكرة وجود مشتركات كثيرة بين الإسلام السياسي الشيعي ونظيره السني، لا تعدم سبل إثبات ذاتها، سواء بالاستناد على الوقائع الراهنة أو بالعودة لتاريخ الأواصر والصلات. وعندما يسود القول الآن إن لا فرق بين الإرهاب السني والإرهاب الشيعي فإن للإقرار أكثر من منطلق ودافع، ولعل تشابه السرديات والأدبيات النظرية للطرفين وتماهيها كافيان للبرهنة على ذلك.
الأربعاء 2017/05/24
مواظبة على التعلق بالسرديات القديمة

لعل كتاب "الحكومة الإسلامية" لآية الله الخميني فاق شهرة كتاب أبي الأعلى المودودي، الذي كان قد أصدره بالاسم نفسه، مع أنه سبق أحاديث الخميني التي ألقاها على طلبة الحوزة الدينية بالنّجف بنحو ست سنوات، وسبق صدور كتاب الخميني بعشر سنوات، ذلك إذا علمنا أنه صدر بطبعته الأولى (1979) ببيروت، ولم يمض على عودة الخميني إلى طهران، لتسلم مقاليد السُّلطة فيها، إلا شهران (عاد الخميني في يناير وطبع الكتاب في مارس 1979).

هل اطلع الخميني على كتاب المودودي، أم ما ورد فيه كان توارد خواطر؟ فالكتابان متشابهان إلى حد كبير في الهدف والطّرح، مع الاختلاف في سنية المودودي وشيعية الخميني، وإلا فالحاكمية واحدة، ووجوب قيام دولة إسلامية وأن الحكم لله. وكان المودودي قد اعتبر تنفيذ الحاكمية من قِبل المؤمن بها والجدير بتنفيذها، غير محدد النّسب، بينما اعتبر الخميني تنفيذها مِن قبل الولي الفقيه، وهو بمثابة نائب الإمام المهدي المنتظر (حُددت غيبته حسب التقليد الإمامي 260هـ)، على أن طرح مصطلح الولي الفقيه بهذا الوضوح قد جاء على لسان الخميني بالنَّجف.

جاء في "الحكومة الإسلامية" للمودودي "هذا الدِّين اسمه الإسلام، وما جيء به ليكون ملحقا وذيلا للحياة، ولو كان كذلك لكان الهدف من نزوله هو الموت والانتهاء، لأن هذا الدِّين يبحث العلاقة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان وجميع الكائنات على وجه البسيطة". من المعلوم أن المودودي أتى على “الحاكمية” معتبرا المجتمعات الإنسانية المعاصرة جاهلية في أكثر من كتاب، منها ما أصدر قبل كتابه “الحكومة الإسلامية” بكثير.

هل اطلع الخميني على كتاب المودودي، أم ما ورد فيه كان توارد خواطر؟ فالكتابان متشابهان إلى حد كبير في الهدف والطّرح، مع الاختلاف في سنية المودودي وشيعية الخميني، وإلا فالحاكمية واحدة

بالمقابل جاء في “الحكومة الإسلامية” للخميني “وهكذا يكون الإسلام قد عالج كل موضوع الحياة، وأعطى فيه حكمه، ولكن الأجانب وسوسوا في صدور النَّاس والمثقفين منهم خاصة أن الإسلام لا يملك شيئا، الإسلام عبارة عن أحكام الحيض والنِّفاس، طلبة العلوم الدِّينية لا يتجاوزون في تخصصهم هذه المواضيع”. فالاثنان، المودودي والخميني، قصدا تثوير الإسلام، على أن يكون حكومة تطبق الشريعة بما هو أكثر مما تطبقها الدول الإسلامية التقليدية. ننقل هنا المواقف المؤيدة لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية مِن قِبل الجماعات الإسلامية السُّنِّية لتحقيق تلك الغاية “حكومة إسلامية".

اعتبرت مجلات الإخوان بمصر ما حصل في 11 فبراير 1979 ثورة إسلامية “أعادت الحسابات وغيرت الموازين”، وأنها “أعظم ثورة في التَّاريخ الحديث”. كتب القيادي الإخواني السّوداني حسن التُّرابي يقول “لقد سبقت الحركة الإسلامية السُّودانية (الإخوان المسلمون) إلى تأييد الثَّورة الإسلامية منذ حلول الخميني في باريس، حيث تتالت المساندة الإسلامية السودانية في نوفل لوشاتو، وانتهاء بطهران وقم".

كذلك يؤكد زعيم حركة النهضة التونسي راشد الغنوشي أن الاتجاه الإسلامي تبلور على يد "البنا والمودودي وقطب والخميني ممثلي أهم الاتجاهات الإسلامية المعاصرة”، ويعتبر أنه “بنجاح الثّورة الإسلامية في إيران يبدأ الإسلام دورة عضوية جديدة".

لم يكن هذا أول لقاء، مباشر أو غير مباشر، بين الإسلام السياسي السني والإسلام السياسي الشيعي، ما تحقق مِن اتصال بين فرعي الإخوان المسلمين وحزب التّحرير بالعراق والشباب الإسلاميين الشِّيعية.

يقول السيد طالب الرفاعي أحد الثلاثة المؤسسين الأوائل لحزب الدعوة الإسلامية في الاتصال بين الشيعة والسنة في أمر التنظيمات الإسلامية “انتسب إلى حزب التحرير مِن الشيعة محمد عبدالهادي السبيتي، وكان قبلها منتسبا إلى الإخوان المسلمين، وهو نجل عبدالله السبيتي، وجده لأمه عبدالحسين شرف الدّين، مِن أسرة علمية وأعيان جبل عامل بلبنان، وبعد حين أصبح السبيتي مسؤولا عن فرع التحرير بالعراق، ثم خرج منه وصار بعد حين رئيسا لحزب الدعوة الإسلامية.

كان لقاء السبيتي بمبعوث حزب التحرير عن طريق الإخواني سابقا والتحريري لاحقا فاضل السويدي، وكان الأخير يحمل كتاب مؤسس الحزب تقي الدين النبهاني نِظام الحُكم في الإسلام، وكان هذا الكتاب يدرس على شكل حلقات للجماعة الذين اتصلوا بالحزب، وحينها كان السبيتي في السنة الثانية في كلية الهندسة. انتمى أيضا، مِن الشيعة، إلى حزب التحرير جابر العطا، وكان في البداية قوميا مستقلا، يوم كان يعيش بالنجف، ولما ذهب إلى بغداد تأثر بفكر الإخوان المسلمين، فانطلق معهم في دعوتهم وانتظم في كشافتهم.

وبحكم علاقة عطا بالسبيتي، وأن الاثنين كانا معا من الإخوان، اتصل عطا بعبدالقديم زلوم مسؤول حزب التحرير بالعراق. بعد التَّعارف، ومرور الأيام درس عطا على يدي كتاب معالم الأصول واللمعة الدمشقية، عندما يأتي إلى النجف، وكان آنذاك ببغداد في السنة الثانية من كلية الطب، وبعدها تخرج طبيبا”. كذلك يُشار إلى انضمام طلبة إيرانيين شيعة إلى جماعة الإخوان المسلمين بمصر.

وربما تكون مواجهة اليسار أهم دافع للتقارب بين الإسلام السياسي السني والمرجعيات الدينية الشيعية؛ فهو العدو المشترك، والمتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، والمد اليساري الذي مثله بعد ثورة 14 يوليو 1958.

يقول مراقب الإخوان المسلمين بالعراق محمد محمود الصواف "كنا نتعاون مع علماء النَّجف الأشرف الكبار، وذهبت إلى النّجف مع الشّيخ أمجد الزهاوي عدة مرات للتعاون على نصرة الإسلام، وخصوصا عندما انطلقت الشيوعية وقاومت الثّورة، وكانت صلاتنا أكبر، وكان الشّيخ محسن الحكيم أصدر فتوى في تكفير مَن اعتنق الشيوعية وكنا كلما اجتمعنا لأمر إسلامي كانوا معنا".

خلاصة بحث رشيد الخيون "خلية الإخوان المسلمين لإنقاذ نواب صفوي"، ضمن الكتاب 124 (مايو 2017) "إيران والإخوان الشيعة القطبيون" الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13