الإسلام السياسي.. العزف على خصوصيات شعوب المنطقة

"خصوصية المجتمعات الإسلامية" ذريعة يتخفّى وراءها منظرو الإسلام السياسي للقول باستحالة قبول الحداثة والديمقراطية وفصل الدين عن السياسة أو التعايش مع المجتمعات غير المسلمة. هذا الأمر غذّته، ومن حيث لا تقصد، نزعات استعلائية غربية مكبّلة بالحنين إلى الحقبة الاستعمارية في ما يعرف لدى بعض الدارسين بالمركزية الأوروبية، عبر ترويجها لفكرة عدم قابلية شعوب المنطقة للتطوّر، نظرا لموروثها الديني والثقافي.
الاثنين 2016/05/23
الاستمرار في وهم مقولة استحالة العيش في بلد غير إسلامي

يقوم الإسلام السياسي على فكرة إثبات أنّ المسلم القابض على دينه والمؤمن بعقيدته لا يستطيع العيش في دولة غير إسلامية، لأنّ الإسلام لا يعترف بالفصل بين الدين والسياسة، بحسب زعم أصحابه، ومن هنا فتح باب يصعب إغلاقه على منظومة تأويلات وقراءات أدّت إلى نشوء الحركات الجهاديّة والتكفيريّة في العالم الإسلامي وفي الدول التي يعيش فيها المسلمون كأقلية دينية.

سوّق الخطاب شبه العلمي للمركزيّة الأوروبية وأدوات الاتصال التبسيطيّة المسطّحة لفكرة مفادها أنّ الغرب وحده هو القادر على صنع الحداثة، وأنّ الشعوب التي ترزح تحت الجهل والتخلّف، لا يمكن لها أن تصنع تطوّرها وتبقى أسيرة لتلك القوالب الظلامية الجامدة، ويرى محلّلون من ذوي النزعة اليسارية أنّ ظهور الحركات التي تنتسب للإسلام السياسي، هو تعبير أعمى عن التمرد العنيف ضد النتائج السلبية للرأسمالية القائمة فعلا، وضد الحداثة غير المكتملة والمشوّهة والمضللة التي تصاحبها.

ويصف بعض الدارسين ما يعرف بالحركات الجهاديّة بأنها تمرّد شبه مشروع ووعي مزوّر ومدلّس ومعكوس إزاء النظم التي لم تقدّم لشعوبها غير التمزّق والضياع، وهنا يشترك الإسلاميون مع منظّري المركزيّة الأوروبية في الترويج لفكرة “خصوصيّة الشعوب”، كلّ من وراء مراميه وأهدافه. فالمركزيّة الأوروبية تريد من وراء هذه الخصوصية التي تصف بها الشعوب الإسلامية تكريس فكرة استحالة تطوّرها وحتميّة بقائها في تلك الدائرة الشرّيرة، ما لم تقدّم فروض الطاعة قلبا وقالبا للعقل السياسي الأوروبي، كما تستفيد وبالمقابل حركات الإسلام السياسي من هذه “الخصوصية الملعونة” للتسويق لمشروعها القائل باستحالة الحوار والانسجام والتعايش بين الدين والدولة المدنية من ناحية، وبين المسلمين والدولة غير الإسلامية من ناحية أخرى.

ولا يوجد اختلاف جوهري بين التيارات المسماة “بالراديكالية” للإسلام السياسي، وبين تلك التي تفضل تسمية نفسها “بالمعتدلة”، فمشروع كل من النوعين متطابق، وإيران لا تشذّ عن القاعدة العامة، بالرغم من الارتباك الذي حدث عند تقييم وصول الخميني، الذي تحقق بسبب الالتقاء بين حركة إسلامية شيعيّة طائفية، تريد الانقضاض، وغضب قائم ضد فساد سياسي.

ففي المرحلة الأولى، عوّضت الشعارات المعادية للاستعمار في ظاهرها وغطّت على تصرفات النظام الذي فرضه الخميني، وهذا الموقف المعادي للاستعمار هو الذي منح هذه السلطة ما يشبه الشرعية لدى العامة والمخدوعين، كما كانت له أصداء قوية من التأييد خارج إيران، ولكنّ النظام لم يلبث أن ظهر عجزه عن قبول التحدي المتمثل في اقتراح تنمية اقتصادية واجتماعية مجدّدة، فدكتاتورية الملالي التي حلت محل دكتاتورية الكابات (العسكريين والتكنوقراط)، كما يقال في إيران، أنتجت تدهورا خطيرا في الأجهزة الاقتصادية للبلاد.

وإيران التي كانت تزعم بأن تصبح على شاكلة الدول المتقدمة، قد انتهى بها الأمر لأن تنضم إلى “العالم الرابع”.

الإسلام السياسي هو مجرد تحوير للوضع التابع لنظم دكتاتورية مهترئة، يتحمل الغرب مسؤوليته في ما آلت إليه شعوب كثيرة

تجاهل الجناح المتشدد في الحكم للمشاكل الاجتماعية التي تواجه الطبقات الشعبية، هو الذي أدّى إلى نجاح من يسمّون أنفسهم بالمعتدلين، لأنهم أصحاب مشروع يمكن أن يخفف ودون شك من تشدد الدكتاتورية الدينية، ولكن دون التخلي عن مبدئها الأساسي، وهو ولاية الفقيه الوارد في الدستور.

ويجد نظام الإسلام السياسي في إيران نفسه في مأزق، ويجب أن يصل الصراع السياسي والاجتماعي الذي يقوم به الشعب الإيراني اليوم بشكل صريح، إلى رفض مبدأ ولاية الفقيه الذي يضع جماعة رجال الدين فوق كل مؤسسات المجتمع السياسية المدنية، وهذا هو شرط نجاح هذا الصراع وقدرته على التخلّص من النظام القائم الذي ما ينفك يتمدّد داخل العالم العربي والإسلامي عبر أذرع عسكرية وجماعات مسلحة كما في اليمن ولبنان وحزب الدعوة العراقي الذي من غير المستبعد أن تكون فكرة تأسيس حزب إسلامي شيعي خطرت في بال واحد أو أكثر، وربما تداولتها جماعة من الناس، ولكن هذا الأمر لا يغيّر من حقيقة أن التاريخ العراقي المعاصر، لم يعرف في الحركة السياسية حزبا بهذا الاسم إلاّ بعد مجيء الخميني إلى الحكم، رغم أن الروايات تذهب إلى تأسيسه بشكل سري منذ العام 1957 أي في العهد الملكي .

الإسلام السياسي بنظر أحد المفكرين العرب، هو مجرد تحوير للوضع التابع لنظم دكتاتورية مهترئة ومرتبطة بعقل استعماري يتحمّل مسؤوليته التاريخية والأخلاقية والتنظيريّة في ما آلت إليه شعوب كثيرة، وبين شكله الذي يتخفى وراء كلمة “المعتدل” والتي تمثّل في نظر دارسين كثيرين “الخطر الأكبر بالنسبة إلى الشعوب التي انطلت عليها هذه الحيل التي غالبا ما تكشفها ازدواجية الخطاب”. الخطاب الإسلامي الذي يقدم كبديل للحداثة الرأسمالية – والتي تُضم إليها تجارب الحداثة الاشتراكية التاريخية أيضا-، هو ذو طابع سياسي وليس دينيا، أمّا وصفه بالأصولية فإنه في نظر الكثير من الباحثين المتخصصين، لا ينطبق عليه ذلك بأي شكل من الأشكال، وهو ـ في كل حالاته ـ لا يستخدم إلا على لسان بعض المنظرين الإسلاميين المعاصرين الذين يوجهون خطابهم إلى الغرب أكثر ممّا يوجهونه إلى قومهم، فـ”الإسلام السياسي يدعو إلى الخضوع لا للتحرر”، كما جاء على لسان أحد الأكاديميين، وكل المحاولات التي سارت في هذا الاتجاه باءت بالفشل وتلقّفها العقل التكفيري مستخدما إياها كذريعة لعملياته الإرهابية.

والتشابه المزعوم بين الأحزاب الإسلامية -راديكالية كانت أو معتدلة حيث أنها جميعا تلتزم بمعاداة الحداثة بحجة خصوصية الإسلام- على عكس الأحزاب المسيحية الأوروبية القائمة في نطاق الحداثة، والتي تقبل الفكرة الأساسية للديمقراطية الخلاّقة، وهذا هو جوهر فكرة العلمانية كما يرى الدارسون.

والإسلام السياسي المعاصر ليس نتيجة لرد الفعل إزاء إساءات العلمانية كما يدعي البعض، ذلك أن أيّا من المجتمعات الإسلامية العصرية، لم يكن في وقت من الأوقات علمانيا بشكل حقيقي، فقد اكتفت الدول شبه الحديثة في تركيا الكمالية، ومصر الناصرية، وسوريا والعراق البعثيين، بتدجين رجال الدين، وذلك بأن فرضت عليهم خطابا هدفه الوحيد إضفاء الشرعية على اختياراتها السياسية، أما فكرة العلمانية فلم يتم نشرها إلا لدى بعض الأوساط المثقفة المعارضة، ولم يكن لها تأثير يذكر على الدولة، بل إنّ الدولة قد تراجعت في بعض الأحيان في هذا المجال، خدمة لمشروعها الوطني، ولعل التفسير الواضح لهذا التراجع هو أن الأنظمة المعنية رفضت الديمقراطية وفضّلت عليها ما أسمته “تجانس المجتمع”.

13