الإسلام السياسي المتطرف يبتلع كافة الفصائل الدينية

الاثنين 2015/03/09

يقول هيجل “كل ما هو واقعي معقول”، بمعنى كل ما يحدث على أرض الواقع يمكن فهمه بواسطة العقل. لكن، هل بوسع العقل أن يفسر كل هذا الحجم من الجرائم المحيّرة من حيث حجم البشاعة تحت مسمّى الإسلام؟ هل يقدر العقل على استيعاب هذا العنف الذي فاق حد الخيال؟ لا شيء يبدو معقولا أو قابلا للإدراك العقلي. وكأننا أمام مشاهد سوريالية.

باسم الدين، وتحت راية الإيمان، يباح كل شيء ويستباح كل شيء. قبل أسابيع قامت فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها الإثنا عشر ربيعا بتفجير نفسها بمفعول تخديري من جماعة بوكو حرام، قبل أشهر قليلة قام طفل سوري لا يتعدى عمره الرابعة عشرة بتنفيذ عقوبة الإعدام رميا بالرصاص في حق معتقل من الجيش الحرّ. وكل هذا باسم ماذا؟ باسم الله الرحمن الرحيم، فماذا جرى لاسم الله؟ نحتاج فعلا إلى مراجعات جذرية لا فقط في الموروث الفقهي وإنما في الفلسفة السياسية أيضا. ثمة فرضية أخذ بها الكثير من الفلاسفة، ليفي شترواس مثلا، مفادها أن الشعوب وعموم البسطاء يحتاجون الدين كوازع أخلاقي، وإلا فإنهم سيفسدون في الأرض، فرضية تناقض بالتأكيد أفق التنوير، والقائمة على فكرة وجود ضمير أخلاقي متأصل في عقل كل إنسان لمجرد أن يكون إنسانا. مضمون الفرضية “اللاتنويرية” أوضحته صيحة دوستويفسكي على لسان شخصية إحدى رواياته، في تحذيره: إذا لم يكن الله موجودا فإن كل شيء مباح. في كل الأحوال لم تجرب البشرية هذه الفرضية، ولم تتح لها فرصة اختبار حياة شعب ملحد بالكامل، لكن رغم ذلك كانت الفرضية تبدو على المستوى النظري كأنها مبررة. لكن الواقع الآن يؤكد شيئا آخر: بما أن الله موجود فإن كل شيء مباح: الذبح، التخريب، الحرق، الاغتصاب، بيع الفتيات، تدمير المتاحف. إنها العدمية الدينية في أوضح صورها: الله موجود إذن يجب تدمير كل شيء، بل هي العدمية نفسها تحت مسمى التوحيد: وحده الله موجود إذن عدا الله يجب تخريب كل شيء.

عدم فهمنا لهذا النمط من العدمية الدينية، والاعتقاد القديم بأن الدين في كل أوجهه يبقى نقيضا جذريا للعدمية، أفضى بنا إلى الظن بأن هذه الجرائم لا تحدث في كل الأحوال من داخل الوعي الديني حتى ولو ادعت ذلك، وإنما تقترفها مخابرات محلية أو إقليمية أو دولية. سمعنا الكثير من الشطحات في اتهام الموساد، سمعنا مثلها في اتهام مخابرات الأسد (هيثم المالح ومشيل كيلو مثلا). لذلك ليس مستغربا أن يوجد من الكتّاب الغربيين من يلبي لنا هذه الرغبة في التنصل من المسؤولية باتهام قوى أجنبية أو خارجية. ومثلا لاحظنا كيف أن الصحفي الفرنسي ثييري ميسان، والذي روج لفكرة أن 11 سبتمبر خديعة من تدبير المخابرات الأميركية، استضافته الكثير من الدول العربية والإسلامية وجمع ثروة طائلة من كتابه “الخديعة الكبرى”، وبعد أن فسدت بضاعته انتقل إلى التعاون الإعلامي مع إيران وحزب الله. كثيرون من يبيعوننا الوهم الذي نريد، سيما وأن نظرية المؤامرة تريحنا من كلفة المسؤولية وتعيدنا إلى سباتنا العميق.

هل للغرب من دور؟ نعم لكن دوره أقرب إلى الوضوح منه إلى المؤامرة. بلا شك تتم بعض الاتفاقيات في الأقبية لكن دائرتها محدودة مقارنة مع دائرة المواقف المعلنة. لا سيما وأن ثورة تكنولوجيا الاتصال جعلت مساحة الأسرار تضيق أكثر فأكثر. في كل الأحوال لا شيء تم إخفاؤه عن الأنظار، راهن الغرب في واضحة النهار على الإسلام السياسي؛ راهن عليه أثناء الحرب الباردة في مواجهة المعسكر الشيوعي “المادي والملحد”، فيما يسميه البعض بالحرب العالمية الثالثة؛ راهن عليه مع بدء الحرب على تنظيم القاعدة عقب 11 سبتمبر، لاحتواء المتشددين أو إعادة تدويرهم، وفيما اصطلح عليه البعض باسم الحرب العالمية الرابعة؛ وراهن عليه مع بدء ما يسمى بالربيع العربي لأجل غايتين:

أولا، ضبط الأمن والاستقرار في دول ما بعد “الربيع”، ذلك أن الغرب على وعي، خلاف ما يظن البعض، بأن الفوضى ليست في مصلحته ولا في مصلحة أحد. بل حتى إسرائيل تعلم بأن الحرب الأهلية في لبنان لم تفرز لها سوى “وحش” اسمه حزب الله. وثانيا، من أجل احتواء الإسلام السياسي الأكثر تطرفا، أو الوقوف كسد في وجهه.

على أساس هذين الرهانين منحت جائزة نوبل للناشطة الإخوانية اليمنية توكل كرمان، وتم التنسيق بين حلف الناتو والحركات الجهادية في ليبيا، وكان هناك قدر من التساهل مع الدور التركي في استقطاب الجهاديين لأجل القتال في سوريا. بل على أساسه كان هناك قدر كبير من التسامح مع نزعة التغول الإمبراطوري التي وسمت رجب طيب أردوغان.

هذا الرهان الكبير انتهى إلى الإفلاس. كيف؟ بدل الأمن والاستقرار اشتعلت الفتن وانتشرت الحروب الدينية والمذهبية والطائفية في الكثير من الدول التي شملها ثورات “الربيع” وشهدت صعود الإسلام السياسي. وبدل احتواء الإسلام السياسي “الوسطي” للإسلام السياسي الأكثر تطرفا فقد انتهى الأمر إلى خلاف ذلك، إذ ابتلع الإسلام السياسي المتطرف، ثم الأشد تطرفا، كافة فصائل الإسلام السياسي.

موازاة مع هذا الرهان كان هناك رهان محلي تحت عنوان “الإسلام هو الحل”، والمقصود الإسلام السياسي هو الحل. قدم هذا الإسلام السياسي نفسه وصفة سحرية لحل كل القضايا: تحرير فلسطين ووحدة المسلمين ونهضة الأمة. وهذه المرة أيضا انتهى إلى الإفلاس. فباسم فلسطين المسلمة اختزلت القضية في معركة من أجل إدارة إمارة غزة ورفع الحصار. وباسم الشريعة فقد السودان جنوبه، وباسم الجهاد اشتعلت الحروب الدينية والطائفية في العراق وسوريا واليمن. هل هناك من رهان جديد في الأفق؟

لا يجب أن يكون الرهان على أيّ مرجعية إيديولوجية مهما كانت قوتها، يجب أن يكون الرهان على القيم نفسها، تلك القيم التي تمثل أفق التنوير الإنساني. والمؤكد أن من وجهة نظر السياسة، لا وجود لأيّ سلة تستوعب كل قيم التنوير، ولا أظن أن هذا يمكن أن يحدث، ما يستوجب على المثقف أن يحافظ على وظيفته النقدية. لذلك، أمام الفكر الاستراتيجي خيار دقيق هو التعامل مع كل جهة وفق نوع محدد من الملفات. والملفات كثيرة تتقاطع حينا، وتتشابك حينا، وتتداخل حينا، لكن يمكن تدبيرها وفق استراتيجيات مركبة تفرق بين الجبهات دون أن تشتت معركة التنوير.

هل هناك ملف تنويري يمكن التعاون فيه مع أحد أو بعض فصائل الإسلام السياسي؟ نحن لا نتحدث عن عناوين عامة، من قبيل إسقاط النظام، أو دعم المعارضة، أو كسب الانتخابات، أو مناهضة أميركا أو إسرائيل أو تركيا أو إيران، بل نتحدث عن قيم التنوير ذاتها، عن المرأة، والطفل، والمساواة، والحريات، وحقوق الأقليات، نتحدث عن قيم المساواة والسلام بين البشر. هذا السؤال أتركه مفتوحا أملا في مآلات مفتوحة.


كاتب مغربي

13