الإسلام السياسي "المدجج" بشعارات الهوية يسقط في امتحان الحكم

الجمعة 2014/05/02
تبين للشعوب أن شعارات الإخوان مجرد حبر على ورق

أثارت الإفرازات التي ظهرت بعيد سلسلة المتغيرات المسماة ربيعا عربيا، والمتمثلة في تصدر الإسلام السياسي أغلب الواجهات (خاصة مسكه بالسلطة)، انتباه العديد من المراقبين والباحثين ودفعتهم إلى تناول جذور تكون أحزاب الإسلام السياسي وكيفية وصولها إلى السلطة وطبيعة هذا الوصول والتطلع إلى أفقها بعد التحولات العميقة التي تحدث في الرقعة العربية. في هذا المبحث توغل الباحث إبراهيم أمهال في سبر أغوار الإسلام السياسي وفتح ملف فشل الإسلاميين في إدارة الشأن العام بعد وصولهم إلى السلطة، وذلك في دراسته عن «الإسلاميين: من شعارات الهوية إلى إكراهات الواقع».

أجمعت كل القوى السياسية والمدنية ومعظم المراقبين والباحثين على فشل ذريع لحركات الإسلام السياسي في اختبار الوفاء لشعارات الشعوب المنتفضة وشأنها العام واليومي وقضاياها المصيرية.

ويعود ذلك حسب الباحث إلى طبيعة تكون الجماعات الإسلامية (وخاصة الإخوان المسلمين) التي تتميز بنيتها بالانغلاق. فهذا الفشل في الحكم لا يعزو أن يكون سوى “وجها من وجوه العجز الذي يعكس جمود شعارات الإسلام السياسي الساكنة والصالحة فقط للاستقطاب والإعتراض والتي لا تنفع في التدبير والبناء”.

شعار «البديل الإسلامي» جعل فقط للاستقطاب ولا يعبر فعلا عن مشروع سياسي بديل

مفارقة الظاهر والباطن

يؤكد إبراهيم أمهال في الجزء الأول من دراسته على مفارقة أساسية تلازم فكرة الإسلام السياسي. فهي حركات تنتمي زمنيا وماديا إلى القرن العشرين (الزمن الذي نشأت فيه)، لكن الفكرة التي ترتكز إليها هذه الحركات تعود إلى عدة قرون إلى الوراء. ويبقى النعت الذي يراه أمهال ضروريا لتوصيف الإخوان المسلمين في هذا السياق هو أنها حركات “ردة فعل” لا غير، نظرا للحادث الطارئ الذي أخل بتوازن جغراسياسي في المنطقة وهو انهيار الدولة العثمانية.

ورغم أن خطاب هذه الحركات الإسلامية بقي “تراثيا ومشبعا بالمفاهيم والنماذج التاريخية القديمة”، إلا أن التنظيمات الإسلامية وخاصة الإخوان تمثل “تنظيمات حديثة بكل معنى الكلمة، وتتوسل بأنواع التقنيات المتوفرة وتشتغل عموما داخل الأطر القانونية والدستورية للدولة القطرية الحديثة وتسعى إلى الفوز في الانتخابات. ورغم هذه الأقنعة الحديثة التي تم تلبيسها بمفردات تراثية، فإن هذه الحركات سرعان ما يتم التنازل عنها تحت ضغط واقع سيرورة التحديث مع تغليفها ببعض الفتاوى التي تحافظ على رصيد استعلائها المعنوي”.

ويعود الباحث المغربي إبراهيم أمهال إلى تاريخية ظهور حركات الإسلام السياسي وتفشي أفكارها داخل المجتمع العربي متتبعا الخيط الأول لظهورها وهو “انهيار تحالف الأعيان مع الاستعمار وصعود طبقة من المتعلمين الوطنيين للسلطة بعد خوضهم معارك التحرير ضد المستعمر. وبرزت مع هذه الطبقة الأيديولوجية القومية العربية والماركسية والبرجوازية، في حين بقيت النواتاة الإسلامية خارج دائرة التاريخ في ذلك الوقت”. وقد استغلت جماعة الإخوان المسلمين ضعف نسب النمو والانسداد الاقتصادي والاجتماعي وتراكم أجيال من المتعلمين العاطلين، “فأضحى الاحتجاج الديني وجها آخر من أوجه الاحتجاج الاجتماعي، نظرا للرؤية الخلاصية التي ترى أن سبب الأزمات هو الفساد الأخلاقي”.

ورطة الوصول إلى السلطة

يعتبر إبراهيم أمهال أن فشل حركات الإسلام السياسي التي مسكت بالسلطة (الإخوان) وسقوطها المدوي على وقع ثورات ثانية مثلما هو الحال في مصر، مرده الأساسي هو عدم ممارسة هذه الأحزاب للسياسة الحقيقية، أي افتقادها لبرنامج اقتصادي واجتماعي عملي يلبي حاجيات الجماهير. فبقطع النظر عن توصيفه لتداعيات وصول الإسلاميين إلى السلطة في السودان من تقسيم وتفتيت لوحدته الترابية والحروب الأهلية التي عمت البلاد، فإن الباحث المغربي يؤكد أن وجود الإخوان في معظم الأقطار العربية لم يكن سوى حضور لتفعيل دور سياسي معين ومطلوب من قبل الأنظمة، إما لمشاركة ظرفية أو إقصاء ظرفي سرعان ما ينقضي الغرض منها حسب الظروف. وبذلك فقد عجزت هذه الحركات على التجاوب ـ وهي في السلطة ـ مع تطلعات الجماهير الأولى التي خرجت في تونس ومصر واليمن مطالبة بنقاط واضحة تتمحور جلها حول العدالة الاجتماعية والحريات والديمقراطية…إلخ.

بل إن صعود الإسلاميين إلى السلطة يعود أساسا إلى تراكم “التحولات الثقافية والاجتماعية بهدوء في العمق، وهذه سنة التاريخ. فقد كانت الأنظمة السياسية السابقة أشبه ما تكون بسدود تجمع المياه التي تصل حدّا غير قابل للحصر، فتتهدم بعد ذلك تحت وطأتها”.

وقد استغلت الحركات الإسلامية بشكل جيد الفراغ الذي أحدثته السياسيات الرسمية العربية السابقة وذلك بخلق امتدادات هنا وهناك كمحاولات للتمكن من قوة موزعة وغير بارزة بوضوح كي لا يتم تتبعها. لكنها في الأخير، ورغم هذا الانتشار الذي مكنها ظرفيا من الوصول إلى السلطة، إلا أنها فشلت في إثبات امتلاك مشروع بديل تتمكن من خلاله من تعويض السلطة السابقة. لكن شعار “البديل الإسلامي” الذي كانت ترفعه الحركات الإسلامية لم يكن سوى ورقة توظف لإضفاء شرعية على النزاع مع السلطة حول السلطة ذاتها.

سرعان ما تزول حركات الإسلام السياسي لأنها لا تقاوم حركة التحديث السريعة


المستقبل وحتمية المراجعة

يؤكد صاحب البحث حول “الإسلاميين بين شعارات الهوية واكراهات الوظيفة” على أنه بسبب الإسلام السياسي فإن مسيرة التحديث تعتبر اليوم “عسيرة جدا”، فقد تظافرت فيها عوامل العجز الداخلي الموروث عن الانحطاط، وعوامل التدخل الخارجي القاهر “فولدت ردود أفعال اجتماعية وتشنجات فكرية تعكس حالة الاضطراب والتحول القسري الذي انعكست آثاره على المجتمعات والأنظمة والتيارات الفكرية والسياسية. وكان الإسلاميون الفصيل الأكثر تجسيدا لأزمة الاصطدام بين عناصر الأصالة والحداثة من حيث تقابل القيم الثقافية والمقولات التراثية مع الوسائل والتنظيمات الحديثة”. فبناء الدولة حسب إبراهيم أمهال، وبناء نظم الاجتماع وقواعد الثقافة والقيم المشتركة هو الضرورة الأولى قبل التنافس الانتخابي الذي لا يستوي “في وضع الطائفية الدينية والاحتراب الداخلي وتفكك البلد”.

ويشترط أمهال في تحقيق هذه الآفاق المستقبلية، ضرورة إعادة الأولويات بشكل يجعل من سؤال النهضة أولى التحديات (وليس التنمية كما يدعي الإسلام السياسي).

كما يتطلب سؤال الحداثة الحفاظ على المكتسبات القائمة (رغم هشاشتها وتهديدها من قبل الإسلاميين) والحفاظ على الدولة ومؤسساتها وعدم الاضرار بمقوماتها (عكس الطموح الإخواني)، “فالدولة القائمة وإن كانت من منتجات التقسيم الاستعماري، إلا أنها وفرت فرصا لزرع نوى مؤسسات وتحقيق مايشبه الهوية الوطنية، ولا يمكن تعويضها إلا بتقويتها ثم تجاوزها نحو الأفضل إذا توفرت شروط ذلك بأشكال الوحدات الإقليمية على أسس واضحة وبطرق إرادية تشاورية”.

ويختم إبراهيم أمهال دراسته بالإشارة إلى أن معركة التحديث في وجه الجماعات الإسلامية ليست آخر معركة لتحرير الإنسان. فكل الثورات وإن طالبت بالعدالة والتحرر والديمقراطية، إذا لم يكن هدفها الإنسان فإنها مجرد اهتزازات بشرية لا أكثر.

13