الإسلام السياسي بين الحزبي والدعوي

الاثنين 2016/05/30

المؤتمر الذي عقدته حركة النهضة التونسية مؤخرا، وما تمخض عنه من نتائج متعددة، كشفا عن تغيرات لافتة في الخطاب السياسي، بما يتجاوز الزمان والمكان التونسيين، حيث بعث برسائل وإشارات مختلفة، بشأن جدوى الحراك بالنسبة للتيار العام الذي تنتمي إليه النهضة، وانعكاساته على القريبين منها في الأفكار، أو المتشابهين معها في التوجهات.

سواء كانت التطورات، نظرية أم عملية، حقيقة أم زائفة، تكتيكية أم استراتيجية، لها أغراض محلية أم تتعلق بحسابات وتقديرات خارجية، ففي كل الحالات هناك حراك جديد حيال إشكالية الحزبي والدعوي سوف يفرض إيقاعه على تيار الإسلام السياسي في المنطقة، بما يضاعف أهمية إصرار النهضة على تكريس البعد الوطني، ومحاولة تذويب الهوة في القضايا التي كانت تمثل أزمة كبيرة لها ولأقرانها في بلدان أخرى، خاصة في مصر.

التداخل بين الحزبي والدعوي، وتعمّد نشر صيغة مبهمة، ظلا ميزة كبيرة لدى الطوائف المختلفة لتيار الإسلام السياسي في مصر لفترة طويلة، وكانت هذه المسألة حيلة جيدة للتنصل من بعض الاستحقاقات القانونية والمجتمعية، الأمر الذي وظفته جيدا جماعة الإخوان المسلمين، فقد مكنها الشق الدعوي من توسيع قاعدتها الشعبية، وساعدها الشق السياسي على اختراق الكثير من النقابات المهنية إبان فترة الرئيس الأسبق حسني مبارك، بصورة أضفى عليها بريقا، فتح لها الطريق للتسلل إلى الحياة السياسية من البوابة الحزبية الفضفاضة.

سياسة الأداتين تعد جزءا أصيلا في جسد تيار الإسلام السياسي، وتمت الاستفادة منها وتوظيفها دوما، والتطرق إلى فكرة الفصل بين الحزبي والدعوي يرتبط (غالبا) بالأزمات التي يمر بها، ويظهر الدمج المعلن في أوقات الازدهار والانفراج، فعندما جرى تضييق الخناق على الجماعة عند وقوع الأزمة الشهيرة التي نشبت بينها ونظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، عقب محاولة اغتياله في المنشية بالإسكندرية في مارس 1954، لجأت الجماعة، ومن لف لفها من تيار الإسلام السياسي، إلى الكمون والتركيز على الجانب الدعوي، وتجاهل الحزبي.

وحتى التركيز على الدعوي لم يتم بشكل مباشر، بمعنى كان ملتحفا بستار آخر، بحيث لا يظهر أن جماعة الإخوان لها علاقة به، واستمرت مرحلة الكمون حتى جاء نظام الرئيس الراحل أنور السادات عام 1970 وأطلق العنان بعد وقت قصير لعناصر التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة، وتداخلت أمور كثيرة، نشط فيها هذا التيار على المستويين، إلى أن جاءت محنة اغتيال الرئيس السادات على يد الجماعة الإسلامية، فتم تقويض حركة عناصر التيار، ولجأ كالعادة للدعوي على حساب الحزبي.

تحت ذريعة إطلاق الحريات، ومواجهة التيار اليساري، وتنحية المتشددين، وخلق “بعبع” يضمن لنظام حسني مبارك الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، انتعشت جماعة الإخوان المسلمين، وانتهزت الفرصة لتكريس وجودها، وتقاسمت أحيانا الأدوار مع قيادات من داخل النظام، حتى وصلت إلى الحكم بعد تنحي مبارك عند اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

بموجب النتائج والتداعيات التي أفرزتها الثورة، بدأ قطاع مهم في التيار السلفي يتخلى عن ثوابته في عدم تعاطي السياسة، ودخلها من أوسع أبوابها، وهو البرلمان، وأخذ يوسع قواعده الشعبية على أسس سياسية، فشكل حزبا (وهو حزب النور) ثم سار على دربه آخرون وشكلوا أحزابا، عملت بالتوازي مع القسم الدعوي.

عندما وقع الانهيار الكبير في جسم تيار الإسلام السياسي بفعل ثورة 30 يونيو 2013 وسقوط نظام الإخوان، لم تتوقف عجلة الحزبي، لكن توقفت تقريبا عجلة الشق الدعوي، مع أنه في الحالات السابقة كان يحدث العكس، أي خمول في الحزبي ونشاط في الدعوي.

المفارقة يمكن تفسيرها بأن الخطورة المجتمعية للنشاط الدعوي لم تظهر مبكرا، وحتى تصرفات العنف التي مارسها التيار الإسلامي كانت موجهة نحو أهداف محددة، ولم تصل إلى درجة المواجهة مع المجتمع بأكمله، لذلك لجأ نظام عبدالناصر مثلا، وبدايات حكم مبارك، إلى التضييق على البعد السياسي، ومنح البعد الدعوي قدرا من الانفتاح.

لكن بعد انكشاف الخطورة الكبيرة التي يتسبب فيها هذا البعد، تم الإعداد لعملية منظمة، لها جوانب قانونية، لقطع الطريق على أي نشاط دعوي إسلامي، وفرضت الدولة قبضتها عبر مؤسساتها الدينية التقليدية، عندما تأكدت أن ترك الساحة للتيار الإسلامي، كانت من نتائجه زيادة نسبة التطرف، وارتفاع حصة الجماعات الإسلامية في الشارع.

وحتى البعد الحزبي الذي يبدو مستمرا شكلا حتى الآن، تمت عملية تدجين منظمة له أيضا، جعلت أدواره تنحصر في شق يشبه الديكور السياسي، حتى لا يبدو النظام المصري في صورة من أفرغ الساحة من الإسلاميين، بأجنحتهم المختلفة، فيدخل النظام في زمرة العداء للدين بحد ذاته.

إذا كانت حركة النهضة قد امتلكت الجرأة وفصلت بين الدعوي والحزبي، وخطت من قبلها جماعة الإخوان في الأردن خطوة أكبر، تؤكد اعترافها بأخطاء ارتكبتها، لماذا لم تقدم جماعة الإخوان في مصر على خطوات مماثلة، بما يوحي أن هناك رغبة في التصحيح؟

المؤكد أن البيئة التي تحتضن التيار الإسلامي في كل من تونس والأردن، تختلف عن مثيلتها في مصر، من حيث المرونة والتصرفات والتقديرات والأوضاع السياسية، فضلا عن درجة العداء مع الأغلبية الكاسحة في المجتمع، ففي الفريق الأول (تونس والأردن) هناك قدر أعلى من الذكاء السياسي، والرغبة في التعاطي مع النظام، كما أن كم المرارات والاحتقانات أقل، ما يجعل الفضاء العام مفتوحا للتطوير والتكيف مع المعطيات الجديدة، وسهولة تقبل إدخال تعديلات جوهرية، وإن تعارضت مع بعض الثوابت.

بينما في مصر، كل خطوة نحو التغيير تعني اعترافا بالهزيمة التي منيت بها جماعة الإخوان، وهو ما يمثل إحباطا لكوادرها وقواعدها التي بدأت تفور بسبب ارتفاع درجة الغليان داخلها، الأمر الذي يعرضها، في حالة اتخاذ خطوة كبيرة للفصل بين الدعوي والسياسي إلى ضربة قاصمة، يمكن أن تهز جميع هياكل التنظيم في الداخل والخارج.

والدليل أن الرسالة التي بعث بها القيادي في جماعة الإخوان جمال حشمت مؤخرا بخصوص هذه المسألة، جاءت ردود الفعل عليها سلبية، ووجد أنها سوف تكون خطوة مجانية، طواها النسيان، وما لم تكن هناك إرادة ورغبة وقدرة ومرونة ستظل جماعة الإخوان في مصر حائرة بين الفصل والدمج بين الدعوي والحزبي.

كاتب مصري

9