الإسلام السياسي فكر انشقاقي يهدد وجود المسلمين

الجمعة 2015/02/20
النهوض الفكري ضرورة لمحاربة الأصولية الدينية

محاربة التطرف والغلو الدينيين لا تقتصر فقط على المواجهات الميدانية بل تتطلب حتما إسناد تلك الجهود الميدانية بجهد فكري يسلط نحو فهم جذور ومنطلقات التيارات الدينية المتطرفة وبيان فساد أسانيدها الفكرية والدينية. وهو جهد يضطلع به مفكرون ومثقفون حاولوا فهم استشراء ظاهرة الإسلام السياسي بسبر أغوارها الفكرية. في هذا الصدد تندرج ورقة المفكر اللبناني رضوان السيد التي تلاها في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

انطلق المفكر اللبناني رضوان السيد في لقائه مع جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ46 من المشروع التنويري للإمام محمد عبده وما آل إليه على يد من جاؤوا بعده من علماء دين أو مفكرين ليبراليين، وانتهى إلى قراءة الواقع الحالي بكل ما يحمله من سوءات، مؤكدا أنّ الرهانات كبيرةٌ اليوم على الحاضر والمستقبل في وجودنا الديني والدولي والسياسي والثقافي.

بدأ السيد لافتا أن حديثه سوف ينصبّ على قراءة مشروع محمد عبده ومواريثه بعيون الحاضر ومشكلاته، وعرض لمضامين ذاك الإصلاح، وماذا بقي من تلك الرؤية وذاك المشروع؟ وحدد ثلاثة أمور قصدها محمد عبده بالإصلاح:

أولا إصلاحٌ دينيٌّ، يتناول هياكل المؤسسة الدينية، كما يتناول برامجها وأنماط تعليمها العقدي والفقهي.

ثانيا إصلاحٌ تدريجي غير ثوري.

ثالثا في المظهر تجاوُزٌ للتقليد في عودةٍ للأصول والينابيع، لكنه في مقاصده مفتوحٌ على فكرة التقدم الأوروبية.

وقال إنّ إصلاح محمد عبده في مرحلة نضجه، أي بعد عودته من المنافي وتولّيه منصبَ الإفتاء في مصر، هو إصلاحٌ دينيٌّ.

وقال: إن إصلاح محمد عبده يبدو مهتما بمسألتين: الأولى بذل جهد اجتهادي وتأويلي حيث لا يبدو الإسلامُ عقبةً أمام المشروع الجديد للدولة، والثانية اللجوء إلى مقاصد الشريعة من أجل إطلاق الاجتهاد الجديد على أساس الاحتياجات الجديدة، وليس على أساس الطريقة القياسية المعروفة في الاجتهاد الفقهي التقليدي منذ أيام الشافعي مطالعَ القرن الثالث الهجري- التاسع الميلادي. ولهذا فحتى فكرة “مقاصد الشريعة” التي استمدّها من الشاطبي الفقيه المالكي، لا تبقى في حدود المصلحة أو المصالح الضرورية، كما يبدو لأول وهلة بل تفتحُ الباب لاجتهادٍ مطلقٍ، يقطعُ مع المنظومة الفقهية التقليدية كلّها. فيكون الاجتهادُ اجتهادا في إمكانيات النصّ وآفاقه، وليس في مناطق الفراغ التشريعي، كما عَبَّر بعضُ الفقهاء القُدامى والمُحدَثين.

الاجتهاد يكون في إمكانيات النص وآفاقه وليس في مناطق الفراغ التشريعي، كما عبر بعض الفقهاء القدامى والمحدثين

كما يرى رضوان أنّ العراقيل التي واجَهَها المشروعُ المدنيُّ عند محمد عبده، لا تعودُ فقط إلى جمود رجال الدين، بل وبالدرجة الأولى إلى الحدود التي فرضها المشروعُ الاستعماري نفسه في الجوانب الثقافية والدينية بالذات؛ وما أثاره ذلك من ردود فعل ما استطاع محمد عبده نفسُهُ التأبِّيَ عليها. وعلى صخرة هذا التحدي الكولونيالي الحضاري والثقافي والاستراتيجي تحطّمت إصلاحيةُ محمد عبده؛ وبأيدي المسلمين.

وفي عشرينات القرن العشرين عند ما كان الشيخ علي عبدالرازق يكتب كتابه “الإسلام وأصول الحكم” ذاهباً إلى أنّ رسالة النبي كانت دينية بحتة، وإلى أنّ الإسلام لا يملكُ نظاما للحكم، وإلى أنّ محمد عبده مُحِقٌّ في القول بمدنية السلطة في الإسلام؛ كان الشيخ مصطفى صبري، ينشرُ كتابه عن العلم والعقل والدين؛ ذاهبا إلى أنّ محمد عبده مفتي مصر في إضراره بالدين، هو الوجهُ الآخر لمصطفى كمال في إضراره بالدين والدولة معا.

وإلى جانب مصطفى صبري ظهرت الإحيائية الإسلامية، عبر حركة الإخوان المسلمين، ثم عبر حركة الجماعة الإسلامية في الهند بعد حركة الخلافة؛ لتردَّ على التحدي الاستعماري ردا ثقافيا مؤداهُ أنّ مشكلة المسلمين، ليست كما زعم محمد عبده في تخلُّفهم؛ بل إنما هي في محاولة المستعمرين المستمرة لتهديد هويتهم الإسلامية. ولذلك لا بد من اجتراح الوسائل الملائمة لصَون الهوية وحفظها بالتصدي إلى التغريب الثقافي مثل التغريب السياسي. وأوضح السيد أن الأفكار الرئيسيةٍ التي تبلورت وسط زَخَمٍ شعبيٍ هائل فيما بين عشرينات وسبعينات القرن الماضي:

أولا مشكلة المسلمين في الهجمة الغربية عليهم. وهي هجمةٌ شاملةٌ ذات أبعاد دينية وثقافية وعسكرية وسياسية.

ثانيا: الإيمان بأنّ الإسلام يملكُ نظاما حضاريا شاملا وكاملا. وهو يملك نموذجا عقائديا بكافة أجزائه وتفاصيله.

رضوان السيد: لا بد من اجتراح نهوض في مؤسساتنا الدينية والثقافية إنقاذا للدين

ثالثاً: تشكّل الشريعةُ الإسلاميةُ جوهرَ هذا النظام، ونقطتَهُ المحورية. وهي وضْعٌ إلهيٌّ له نتائجُ قانونية. ففي حين يعتبر أبو الأعلى المودودي أنّ هذا النظام ثيو ديمقراطي، يسمّيه سيد قطب ”نظام الحاكمية”.

رابعاً: كلُّ هذه الوسائل والأدوات الهدمية والبنائية لا بد من سلوكها معا والجهاد في سبيلها بشتى الوسائل. لأنها ضروريةٌ لاستعادة الشرعية إلى الدولة والمجتمع، من طريق سلطة الدولة التي يحكمها الإسلاميون.

خامساً: الخصومُ الداخليون للحاكمية طَرَفان، أولهم الفقهاء التقليديون، فقهاءُ المذاهب، الذين تجمّدوا على تقاليد بالية تُفارقُ النصَّ، وتعجِزُ عن الاستجابة للتحديات، وتخضعُ للأنظمة واحتياجاتها. والطرف الثاني الإصلاحيون، ووثنهُمُ الأكبر محمد عبده الذي تغرَّب، كما تغرب تلامذتُهُ ومُريدوه. ولذلك ينبغي أن يكافَحَ كما يكافَحُ الغربُ ذاتُه. وتساءل السيد أين نحن من مشروع محمد عبده الإصلاحي بعد مئة عام ونيف على وفاته، وما مدى أهميته بالنسبة إلينا في ضوء المشكلات والتحديات الراهنة؟

ورأى رضوان أنّ أبرز وجوه الفشل في مشروع محمد عبده للإصلاح الديني يرجع إلى حدوث أمرين: التحويلات المفهومية الضخمة والتي أخرجت المرجعية في الدين والدولة من الجماعة والمجتمع، وفرضت أولويات ما كانت كذلك في الإسلام الكلاسيكي، من مثل أَولوية الجهاد من أجل إخراج الغرب من الديار، وأَولوية الشريعة بالمفهوم الجديد لاستعادة الشرعية، وأولوية السلطة والدولة تحت اسم الدولة الإسلامية والخلافة باعتبارها ركنا من أركان الدين، شأن الإمامة العائدة عند الشيعة. والأمر الثاني هو عدم تقدم الإصلاح بدرجة كافية في المؤسسة الدينية بحيث تتصدى لمهمات فتح التقليد وتجديده في الفكر والبرامج والقراءة النقدية للموروث الفقهي. كما استنكر رضوان السيد ما حدث ويحدث منذ ثلاثة عقود في المجال الديني، ووصفه بأنه ليس أقلّ من انشقاقٍ أو انشقاقات في الدين، سواء فيما سُمّي بالإسلام السياسي، أو ما سمي بالإسلام الجهادي. وهو انشقاقٌ أو هي انشقاقاتٌ هددت وتهدد المجتمعات والدول والدين في المجال العربي بالذات.

إنّ هذا الإحساس، إحساس أنّ الإسلام في أزمة، هو شعورٌ كان يسيطر على محمد عبده إبّان وفاته. وهذا ما تدلُّ عليه الأبياتُ المنسوبة إليه. وإذا كان الدين متأزما في العام 1905، فماذا نقول عن المشهد الصاخب من حول الإسلام وفي قلبه في ديارنا وفي العالم اليوم، بل ومنذ أكثر من عقدين؟

13