الإسلام السياسي فكك الدول وحولها إلى واهنة وفاشلة

الاثنين 2015/05/11

نحتاج في هذه المرحلة إلى إعادة قراءة صاموئيل هنتنغتون ونظرية “صدام الحضارات” التي كتبها كبحث بسيط ثم طورها عام 1996 إلى ما بات يعرف بنظرية صدام الحضارات.

يقول هنتنغتون في فصل “فوضى عارمة” ما نصه: ضعف الدول وظهور “الدولة الواهنة” يسهم في صورة لعالم غارق في الفوضى، هذا النموذج يؤكد: انهيار السلطة الحكومية، تفكك الدول، اتساع الصراعات القبلية والعرقية والدينية، ظهور المافيا الإجرامية الدولية، زيادة أعداد اللاجئين بعشرات الملايين، انتشار الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل، انتشار الإرهاب، تفشي المذابح والتطهير العرقي”. (صاموئيل هنتنغتون “صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي” الطبعة الثانية 1999- ص 58).

عند مراجعة ما كتبه هنتنغتون عام 1996 لا يبدو الرجل إلا ساحرا ينكشف العالم المستقبلي للكرة الأرضية أمامه بيد أن الحقيقة هي أن الرجل جمع مجموعة من المعطيات والأحداث استقرأ بعضها ووصل إلى حال ما يجري اليوم. وما أشار إليه لا يجري ولم يطبّق إلا بوجود الإسلام السياسي الذي تتهم الولايات المتحدة بصنعه في البلدان التي تعاني من وهن الدولة وتفشي الإرهاب والتطهير العرقي وانتشار الصراعات القبلية والعرقية والقبلية، وعلى الأقل فإن استقراء بسيطا لسوريا والعراق وليبيا ولبنان واليمن يلفت الانتباه إلى أن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد يحتاج إلى وسائل لتطبيقه ولم تكن هنالك وسيلة أفضل من الإسلام السياسي الحاكم والمتنفذ والعنفي في هذه الدول.

فما أسماه “بالصحوة الإسلامية” التي بدأت نهاية السبعينات وتطورت مع عقد الثمانينات وانطلاقها كقوة واقعية في عالمنا هو الذي سبب كل تلك الإشارات ولا يخفى أن الإسلام السياسي الشيعي والسني على حد سواء هو المسؤول عن كل ما من شأنه مصادرة الدولة وتحويلها إلى دولة واهنة أو كما يصفها نعوم تشومسكي “الدولة الفاشلة” وملخصها يتجسد في محاولات سحب القرار من سدة الحكم في الدولة، ومعروف أن تعريف الدولة يعتمد كثيرا على قدرتها على القرار فلا دولة دون قرار، إلا أن الواقع الذي تمر به الدول آنفة الذكر – حاليا- يتلخص في عدم قدرتها على القرار واقتسام الحكم والقرار مع آخرين، هؤلاء الآخرون هم الميليشيات المتنفذة والتيارات العنفية والسطوة القبلية.

وفي العودة إلى النظرية وتطبيقها على حيز الواقع التنفيذي فإنها تحتاج إلى أدوات ووسائل لتطبيقها وأهم تلك الوسائل هي تيارات الإسلام السياسي بكل مناحيها.

فالنظريات الإسلامية التي ترتئي تأسيس دولة “الخلافة” أو دولة الدين تشترك جميعها في قاسم مشترك واحد وهو أنها غير قادرة على النهوض بالأمم ماعدا الإسلام السياسي في إيران حيث أنه استبق هذه الفوضى ولا ينفصم بقاؤه لحد الآن عن محاولات الإيرانيين إعلاء فرضية تقاسم سلطات القرار في مسعى لتشتيت القوى التي تعتمد عليها والموائمة لها من حيث الولاء والعقيدة حيث أن التطبيقية النظرية لأي فكرة تنطلق أولا من دراسة المحتوى المنهجي لتلك القوى- تيارات وأحزاب وميليشيات-، وهذه الدراسة تتمحور بلا شك حول المخزون التاريخي التأويلي للنص القرآني والسنة النبوية للإسلام والتي يختلف فيها المسلمون حيث أنهم لا يتفقون على أي أساس إسلامي نابع من التاريخ على مستوى الخلافة والتشريعات والعبادات وكنهها ومحتواها وأهدافها، وهذه الاختلافات ربما تكون موجودة عند بقية الأديان لكنها في المحتوى الإسلامي بارزة وغير مخفية وأما المسكوت عنه والذي بدأت بعض تطبيقاته تفاجئ الآخرين فإنها مستقاة من الشريعة والتاريخ المكتوب والمحكي مستفيدا من تعدد سلطات القرار وقوة التيارات على الأرض سواء أكانت جهادية معارضة أو حاكمة متنفذة. فليس من البدع ذبح الأسرى والمعتقلين لأنه على سبيل المثال قد وردت في صميم التاريخ المكتوب والأمر يسري على عمليات الحرق وما شابهها.

نستنتج مما استقرأه هنتنغتون أن تفكيك الدول وتحويلها إلى دول فاشلة أو دول واهنة اعتمد كثيرا على الإسلام السياسي الذي خلف الأنظمة القومية المتشددة التي تحولت فيما بعد إلى أنظمة دكتاتورية مستبدة تعتمد أحيانا الديمقراطية الصورية كما في معظم دول المنطقة على اعتبار أن تطبيق الديمقراطية -مثلا- في العراق لا تعبّر عن إرادة العراقيين فالانتخابات في العراق بعد عام 2003 أثبتت أنها لا تعبر عن إرادة الناخب العراقي سواء في قانون الانتخابات الذي سنته الأكثرية الإسلامية الشيعية والسنية في البلاد فالمنتخِبون ينحصر دورهم في الوصول إلى صناديق الاقتراع وترشيح نخبهم الإسلامية وفق دعوات المرجعيات الحزبية والمذهبية، وهؤلاء النخب هم الذين يتكفلون بالمراحل الأخرى من الديمقراطية الصورية التي اختطوها بموافقة من الأميركان الذين سعوا إلى تأسيس واقع جديد في العراق بدأ يلقي بظلاله على كل التجارب للدول الفاشلة الأخرى آنفة الذكر.

13